أيسر –– في عدد يوليو 2025 من مجلة تاريخ الفلسفة (Journal of the History of Philosophy) نشر الباحث جوليو دي باسيليو (Giulio Di Basilio) دراسة بعنوان “ماقاله أرسطو حول الفضيلة الطبيعية ومنفعة الحمة العملية” (Aristotle on Natural Virtue and the Utility of Practical Wisdom.)
تنطلق هذه الدراسة من لغزٍ طرحه أرسطو في كتاب الأخلاق النيقوماخية (الكتاب السادس)، حين تساءل عن جدوى الحكمة العملية (phronesis): إذا كان الإنسان فاضلاً بطبعه ويمارس الأفعال الحسنة بالفعل، فما الحاجة إلى اكتساب هذه الحكمة؟ يذهب دي باسيليو إلى أنّ الإجابة تكمن في تمييز أرسطو بين الفضيلة الطبيعية، أي الميل الفطري إلى الخير، والفضيلة الكاملة التي لا تكتمل إلا بمرافقة الحكمة العملية. بهذا التمييز يتضح أن الحكمة العملية ليست ترفاً معرفياً، بل أداة لتصحيح الفضيلة الطبيعية وتوجيهها، بحيث تتحول من قوة عمياء إلى فضيلة حقيقية قادرة على مواجهة المواقف المعقدة وضمان وحدة الفضائل.
المحور الأول: المعضلة التي طرحها أرسطو
في قلب كتاب الأخلاق النيقوماخية، وتحديداً في الكتاب السادس، يقدّم أرسطو سلسلة من التأملات حول ما يسميه “الفضائل العقلية”، أي القدرات الفكرية التي لا تقل أهمية عن الفضائل الخُلقية في بناء شخصية الإنسان الفاضل. من بين هذه الفضائل العقلية نجد الحكمة النظرية (sophia)، وهي مرتبطة بالتأمل والمعرفة العلمية والبحث في المبادئ الكونية، ونجد في المقابل الحكمة العملية (phronesis)، التي تتعلق بقدرة الإنسان على اتخاذ القرار السليم في المواقف الحياتية المتغيرة. لكن أرسطو يواجه هنا سؤالاً عميقاً: ما فائدة هذه الحكمة العملية إذا كان الإنسان أصلاً فاضلاً بطبعه ويمارس الأفعال الخيرة دون الحاجة إلى تنظير أو معرفة إضافية؟
هذه المعضلة التي يطرحها أرسطو تأخذ شكل مفارقة:
- إذا كان الإنسان قد بلغ بالفعل درجة الفضيلة الخُلقية، فهو يقوم بالأعمال الحسنة تلقائياً، فماذا يضيف اكتساب الحكمة العملية؟
- وإذا كان الإنسان لم يبلغ بعد هذه الفضيلة، فإن الحكمة العملية وحدها لا تكفي لتقويمه، إذ يحتاج إلى تربية وعادة وضبط للنفس أكثر من حاجته إلى مهارة عقلية مجردة.
- ومن ثمّ قد يبدو أن الحكمة العملية لا فائدة منها لا للإنسان الفاضل بالفعل ولا لغير الفاضل، فتكون، بحسب المنطق الشكلي، غير ذات نفع.
يستخدم أرسطو مثالاً مقارناً لتوضيح هذه الحيرة: فكما أنّ من يتمتع بالصحة لا يحتاج لأن يكون طبيباً حتى يظل صحيحاً، كذلك من يمارس الأفعال الفاضلة لا يحتاج، للوهلة الأولى، إلى الحكمة العملية كي يستمر في فضيلته. وبالعكس، فإنّ مجرد امتلاك المعرفة الطبية لا يضمن الصحة إذا لم ترافقها ممارسة بدنية سليمة، تماماً كما أنّ امتلاك الحكمة العملية لا يبدو كافياً لتقويم من لم يبلغ بعد الفضيلة الخلقية.
إنّ جوهر المعضلة يتمثل في التناقض بين طبيعة الفضيلة بوصفها حالة راسخة في النفس تمكّن صاحبها من التصرف باستقامة بشكل تلقائي، وبين الحكمة العملية التي تقدّم نفسها كشرط مكمّل لهذه الفضيلة. فإذا كانت الفضيلة مستقلة وكافية بذاتها، فما الداعي إلى الحكمة العملية؟ وإذا كانت الحكمة العملية ضرورية، فهل يعني ذلك أنّ الفضيلة وحدها غير مكتملة؟
هذا السؤال لم يكن عرضياً عند أرسطو، بل يمثل تحدياً حقيقياً لبناء نظريته الأخلاقية. فلو عجز عن تبيان جدوى الحكمة العملية، لانهار جانب كبير من مشروعه الذي يسعى إلى التوفيق بين العقل والخلق، بين النظر والعمل. ولهذا يولي دي باسيليو في دراسته أهمية خاصة لهذه المعضلة، ويرى أن الإجابة الأرسطية تتجسد في إدخال مفهوم الفضيلة الطبيعية، التي تمثل حالة وسطى بين الميل الفطري إلى الخير والفضيلة المكتملة المصحوبة بالحكمة العملية.
من هنا، يطرح أرسطو تصوّراً مفاده أنّ الإنسان قد يكون شجاعاً أو عادلاً أو معتدلاً بطبعه، لكنه يظل معرضاً للزلل إذا لم يمتلك تلك البصيرة العملية التي تمكّنه من التصرّف بحكمة في المواقف الصعبة أو الملتبسة. وبذلك تنفتح أمامنا مساحة جديدة للفهم: الفضيلة الطبيعية وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى “عين العقل” التي تضمن حسن التقدير.
المحور الثاني: إدخال مفهوم الفضيلة الطبيعية
حين واجه أرسطو الاعتراض على جدوى الحكمة العملية، لم يلجأ إلى نفي الاعتراض أو التقليل من شأنه، بل قدّم حلاً أكثر عمقاً يقوم على التمييز بين مستويين من الفضيلة. هنا يدخل مفهوم الفضيلة الطبيعية، وهو مفهوم محوري في قراءته للإنسان الفاضل، إذ يوضح أن بعض الناس يولدون بميول فطرية نحو العدل أو الشجاعة أو الاعتدال، فيبدون وكأنهم يسلكون طريق الخير من تلقاء أنفسهم. لكن هذا الميل الفطري، مهما بدا ثميناً، يظل في نظر أرسطو ناقصاً ما لم يُدعَم بالقدرة العقلية التي تسمح بالتمييز بين الحالات وتقدير العواقب.
بهذا التفريق يصبح لدينا فضيلتان متمايزتان: الأولى تنبع من الطبيعة، والثانية مشروطة بالحكمة العملية. الفضيلة الطبيعية ليست وهماً أو مجرد شبه فضيلة، بل هي استعداد أصيل، يمكن أن يثمر سلوكاً فاضلاً في كثير من المواقف. الطفل الذي ينزع إلى الكرم من تلقاء نفسه، أو الجندي الذي لا يعرف الخوف ويُقبل على المعركة بشجاعة غريزية، كلاهما يعدان مثالاً على هذه الفضيلة الطبيعية. غير أن أرسطو ينبّه إلى أن هذه الخصال قد تتحول إلى مصدر خطر إذا لم تُوجَّه بالعقل، فالكرم المفرط قد ينقلب إلى إسراف، والشجاعة العمياء قد تقود إلى تهور يهلك صاحبه ويضر بالآخرين.
وهنا تتضح وظيفة الحكمة العملية بوصفها عيناً بصيرة تقترن بالفضيلة الطبيعية، فتصحّح انحرافاتها وتمنحها القدرة على التكيف مع تعقيد الحياة الواقعية. يشبّه أرسطو صاحب الفضيلة الطبيعية بشخص قوي البنية لكنه أعمى، يستطيع أن يتحرك بقوة، غير أنّ حركته من دون رؤية تعرضه للسقوط في كل لحظة. فإذا اكتسب هذا الشخص نعمة البصر، تحولت قوته إلى طاقة فعّالة وموجّهة. كذلك الفضيلة الطبيعية حين تقترن بالحكمة العملية تتحول إلى ما يسميه أرسطو الفضيلة السلطوية أو الكاملة، أي الفضيلة التي تملك سلطة توجيه السلوك في جميع المواقف.
يشدد دي باسيليو في دراسته على أن المفسرين أهملوا هذا التمييز في كثير من الأحيان، فاعتبر بعضهم أن أرسطو يتحدث عن “فضيلة زائفة” أو عن “شبه فضيلة” لا قيمة حقيقية لها. غير أن القراءة المتأنية تظهر أن أرسطو كان يرى في الفضيلة الطبيعية شكلاً من أشكال الفضيلة، وإن كان محدوداً. فهي ليست مجرد مظهر سطحي، بل حالة راسخة في النفس، لكنها تبقى عرضة للانحراف لغياب البصيرة العقلية. ولهذا فإن إدخال مفهوم الفضيلة الطبيعية ليس التفافاً على الاعتراض، بل هو إعادة صياغة للسؤال من داخله، إذ يعترف أرسطو بأن هناك نوعاً من الفضيلة يمكن أن يوجد بمعزل عن الحكمة العملية، لكنه يبيّن في الوقت نفسه أن هذه الفضيلة لا تبلغ غايتها إلا إذا اكتملت بالعقل العملي.
بهذا التصور يصبح الاعتراض أكثر ثراءً: لم يعد السؤال عن جدوى الحكمة العملية سؤالاً عابراً، بل أصبح مدخلاً للتفريق بين مراتب الفضيلة. فالحكمة العملية لا تُضاف إلى الفضيلة من الخارج، وإنما تعمل كشرط لتحويل الميل الفطري إلى ممارسة راشدة. وهذا ما يفسر، في نظر أرسطو، أن الفضيلة الطبيعية قد نجدها في الأطفال أو حتى في بعض الحيوانات التي تظهر ملامح من الشجاعة أو العدالة، لكنها تبقى ناقصة لأنها بلا عقل موجّه. الإنسان وحده، بفضل قدرته على اكتساب الحكمة العملية، يستطيع أن يرفع هذه الفضيلة الطبيعية إلى مستوى الفضيلة الكاملة.
بهذا الانتقال من الفطرة إلى الوعي، ومن الميل الطبيعي إلى الاختيار المدروس، يضع أرسطو الأساس لفهم جديد للعلاقة بين الطبع والتربية، بين الاستعداد والممارسة، وبين القوة الكامنة والفعل المكتمل. فالحكمة العملية ليست زينة إضافية، وإنما هي الشرط الذي يحوّل الإمكان إلى تحقق، والموهبة الفطرية إلى فضيلة فعلية.
المحور الثالث: قصور الفضيلة الطبيعية
بعد أن مهّد أرسطو للتمييز بين الفضيلة الطبيعية والفضيلة الكاملة، ينتقل إلى إبراز حدود الأولى وكشف مواطن ضعفها. فالميل الفطري إلى الخير، مهما كان عميقاً وصادقاً، لا يكفي وحده لضمان السلوك القويم في كل ظرف. هذا القصور يظهر بوضوح حين تواجه الفضيلة الطبيعية مواقف معقدة تتطلب تقديراً دقيقاً للعواقب وتفكيراً في الوسائل المناسبة. عندئذ تنكشف هشاشتها، ويظهر أنها قوة عمياء تحتاج إلى من يقودها.
من الأمثلة التي يمكن أن توضح الفكرة ما أورده بعض شراح أرسطو لاحقاً، مثل مثال إنقاذ الطفل الغريق. فالشخص المجبول على الشجاعة قد يندفع مباشرة إلى النهر لإنقاذ الطفل، مدفوعاً باندفاع نبيل لكنه غير محسوب. أما الشخص الذي يمتلك الحكمة العملية، فسوف يتوقف لحظة ليفكر في أفضل وسيلة للنجاة، كأن يجري بمحاذاة النهر ليتجاوز الطفل ثم يلقي بنفسه في نقطة آمنة. كلاهما شجاع، لكن الأول قد يُهلك نفسه والطفل معاً، بينما الثاني يحوّل الشجاعة إلى عمل ناجح. هنا يظهر بوضوح أن الفضيلة الطبيعية من دون عقل عملي قد تؤدي إلى نتائج عكسية، بل قد تجعل الخير يتحول إلى شر.
قصور الفضيلة الطبيعية يكمن في صفتها “غير المفكرة”. فهي تدفع صاحبها إلى العمل بدافع غريزي أقرب إلى ردود الفعل التلقائية، ولا تمنحه المرونة الكافية للتعامل مع تعقيدات الحياة. الجندي الذي يتمسك بموقعه حتى النهاية قد يبدو بطلاً في الظاهر، لكنه قد يعرّض وحدته للهلاك إذا كان الانسحاب هو الخيار الأكثر حكمة في تلك اللحظة. كذلك الشخص الكريم بطبعه قد يمنح بلا حساب حتى يُفقر نفسه ويعجز عن مساعدة من يحتاج إليه لاحقاً. هذه المواقف تبيّن أن الفضيلة الطبيعية، مهما كانت نبيلة، تظل مهددة بالتحول إلى تهور أو إفراط إذا لم تُضبط بالحكمة العملية.
يصوّر أرسطو هذه الحالة باستعارة بليغة: إنّ من يمتلك الفضيلة الطبيعية يشبه جسداً قوياً بلا بصر، يتحرك بقوة لكنه معرض للسقوط في كل خطوة. القوة هنا ليست وهماً، بل حقيقة ملموسة، لكنها ناقصة من دون عين هادية. كذلك الفضيلة الطبيعية، فهي استعداد أصيل لكنها تحتاج إلى عقل عملي يحفظها من الزلل.
من منظور دي باسيليو، تكمن أهمية هذا التصور في أنه يتيح لنا فهم الفضيلة الطبيعية لا كحالة زائفة أو سطحية، بل كمرحلة حقيقية تحتاج إلى استكمال. إنّ أرسطو لا ينكر فضلها، بل يقر بأنها صورة من صور الفضيلة، لكنه يشدد على أنها غير كافية لتحقيق الخير الكامل. وهذا ما يفسر لماذا يربطها غالباً بالأطفال أو بالحيوانات، إذ نراهم يملكون ميولاً نحو العدالة أو الشجاعة، لكن هذه الميول من دون عقل قد تكون مضرة بقدر ما هي نافعة.
القصور إذاً ليس في نبل الدافع، بل في محدودية الرؤية. الفضيلة الطبيعية تنجح في المواقف البسيطة الواضحة، لكنها تتعثر في الظروف التي تتطلب موازنة دقيقة بين القيم أو مواجهة تعارض بين واجبات مختلفة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى الحكمة العملية، لأنها وحدها تملك القدرة على قراءة السياق، وضبط الانفعال، واختيار الوسيلة الملائمة لتحقيق الغاية الفاضلة.
بهذا يصبح واضحاً أنّ الفضيلة الطبيعية، رغم أهميتها، ليست سوى نصف الطريق نحو الكمال الأخلاقي. هي بمثابة المادة الخام التي لا تصير عملاً فنياً إلا إذا صاغها العقل ووجّهها. وإذا كان أرسطو قد أراد أن يبرهن على جدوى الحكمة العملية، فإن أفضل دليل على ذلك هو عجز الفضيلة الطبيعية وحدها عن مواجهة تعقيدات الحياة الإنسانية.
المحور الرابع: دور الحكمة العملية في استكمال الفضيلة
يبيّن أرسطو أن الحكمة العملية لا تأتي لتزيّن الفضيلة الطبيعية أو لتضيف إليها بعداً نظرياً فحسب، بل تؤدي دوراً أساسياً في تحويلها إلى فضيلة مكتملة. يقوم هذا الدور على ثلاثة أبعاد مترابطة: ضبط الغاية، واختيار الوسيلة، وتنفيذ الفعل على نحو يحقق الخير الإنساني.
يمنح العقل العملي الفضيلة اتجاهها الصحيح. فالإنسان قد يمتلك نزعة طبيعية نحو الشجاعة أو الكرم، لكنه يظل محتاجاً إلى عين عقلية تحدد له متى يكون الإقدام شجاعة ومتى ينقلب تهوراً، ومتى يكون العطاء كرماً ومتى يغدو تبذيراً. الحكمة العملية لا تكتفي بإقرار الغاية، بل تميّز الغايات المشروعة من الغايات الباطلة. من دونها، قد تنحرف الفضيلة الطبيعية عن مسارها فتؤدي إلى نتائج معاكسة للخير الذي تنشد تحقيقه.
يضع أرسطو الحكمة العملية في موقع القلب من الفعل الأخلاقي لأنها تتيح للفاعل أن يقرأ الظروف المحيطة بقراءة دقيقة. الفضيلة الطبيعية تدفعه إلى الاستجابة بانفعال صادق، لكن الحكمة العملية تجعله يزن الموقف ويستحضر خبراته السابقة ويقدّر إمكاناته الراهنة. هكذا يتجاوز رد الفعل الغريزي ليصل إلى قرار واعٍ يراعي الزمان والمكان والأشخاص والعواقب.
ينفّذ الإنسان الفعل الفاضل بفضل الحكمة العملية تنفيذاً ناجحاً. فالقرار الصائب لا يكفي إذا لم تُحسن الوسيلة، والحافز النبيل قد ينهار إذا لم يُترجم إلى فعل مدروس. هنا يتجلى البعد العملي للحكمة العملية، فهي ليست علماً نظرياً منفصلاً عن الواقع، بل مهارة في التدبير والاختيار والتنفيذ. أرسطو يصرّ على أن الفضيلة لا تتحقق إلا بالفعل، وأن هذا الفعل يحتاج إلى عقل موجّه يمنحه الدقة والفعالية.
يربط أرسطو بين الفضيلة والحكمة العملية برابطة وحدة لا انفصام لها. الفضيلة الطبيعية من دون حكمة عملية تبقى ناقصة، والحكمة العملية من دون فضيلة تتحول إلى دهاء أو مكر لا أخلاقي. لذلك يؤكد أن الفضيلة الحقيقية لا تولد إلا حين يلتقي الميل الخُلقي بالعقل العملي، فينشأ ما يسميه الفضيلة السلطوية، أي الفضيلة التي تحمل سلطة أخلاقية كاملة وتستطيع أن توجه السلوك نحو الخير في مختلف الظروف.
يكشف هذا التصور أن الحكمة العملية لا تُضاف إلى الفضيلة الطبيعية إضافة خارجية، بل تُعيد صياغتها من الداخل. هي تعمل على صقل الميول الفطرية، وتحريرها من عشوائية الانفعال، وإكسابها القدرة على الاستجابة المتوازنة للتحديات المعقدة. بهذا المعنى، الحكمة العملية لا تقوّي الفضيلة الطبيعية فحسب، بل تضمن بقاءها واستمراريتها عبر الزمن، لأنها تجعلها قابلة للتكيّف مع تغير الظروف.
يظهر إذن أن الحكمة العملية تمثل الركيزة التي ترفع الفضيلة من مستوى الميل إلى مستوى الاختيار، ومن مستوى العاطفة إلى مستوى الفعل العقلاني. أرسطو ينجح بهذا في الرد على الاعتراض: حتى لو كان الإنسان فاضلاً بطبعه، فإنه يظل محتاجاً إلى الحكمة العملية كي يحوّل فضيلته إلى ممارسة ناجحة، وإلا بقيت قوته الأخلاقية مثل جسد قوي يسير في الظلام معرضاً للتعثر.
المحور الخامس: وحدة الفضائل وصلتها بالحكمة العملية
يطرح أرسطو في نهاية الكتاب السادس من الأخلاق النيقوماخية سؤالاً أوسع من حدود الفضيلة الطبيعية، وهو: هل يمكن أن توجد الفضائل منفصلة بعضها عن بعض؟ وهل يستطيع الإنسان أن يكون شجاعاً دون أن يكون عادلاً، أو كريماً دون أن يكون معتدلاً؟ هذا السؤال يرتبط مباشرة بقضية الحكمة العملية، لأن الجواب الذي يقترحه أرسطو يقوم على مبدأ الوحدة بين الفضائل.
يُظهر أرسطو أن الفضائل الطبيعية قد تظهر متفرقة، فيُولد شخص ميّالاً إلى الشجاعة لكنه ضعيف في ضبط شهواته، أو يميل آخر إلى الكرم لكنه يفتقر إلى روح العدالة. هذه الحالات شائعة وتعكس التنوع الطبيعي في طبائع البشر. غير أن هذه الفضائل، لأنها طبيعية فقط، تظل قابلة للانفصال والتفاوت. أما حين يكتسب الإنسان الحكمة العملية، فإن الأمر يتغير كلياً، إذ تصبح الفضائل شبكة مترابطة تتكامل فيما بينها.
يوضح أرسطو أن الحكمة العملية هي العنصر الذي يربط بين جميع الفضائل. فالذي يملك هذه الحكمة يعرف كيف يوازن بين متطلبات الشجاعة ومقتضيات الاعتدال، وكيف ينسّق بين روح الكرم وواجب العدالة. الحكمة العملية تضمن ألا تتحول الفضيلة في مجال ما إلى رذيلة في مجال آخر، لأن العقل العملي يضبط الغاية ويحدد الوسيلة ويمنح الأفعال انسجاماً داخلياً. لذلك يصر أرسطو على أن الفضيلة الكاملة لا يمكن أن تكون جزئية، بل هي كلّ متماسك لا يتحقق إلا بوجود الحكمة العملية التي تعطيه وحدته.
بهذا المعنى، لا ينفي أرسطو وجود فروق طبيعية بين الأفراد أو ميل بعضهم إلى فضائل معينة أكثر من غيرها، لكنه يوضح أن هذه الفروق تبقى عند مستوى الفضيلة الطبيعية. أما الفضيلة الكاملة فهي لا تتجزأ، لأن الحكمة العملية توحّدها. فالذي يتحلى بالحكمة العملية لا يمكن أن يكون شجاعاً وتهورياً في الوقت نفسه، أو كريماً ومبذّراً في آن واحد. الحكمة العملية تُنهي هذا التناقض لأنها تمنح الفاعل بصيرة شاملة تجعله قادراً على إدراك توازن القيم.
يفسّر دي باسيليو هذه النقطة بوصفها استكمالاً للحل الذي قدّمه أرسطو لمعضلة جدوى الحكمة العملية. فإذا كان الاعتراض يقول إن الفضيلة الطبيعية تكفي لتحقيق السلوك القويم، فإن أرسطو يردّ بأن هذه الفضيلة، وإن كانت موجودة، تظل ناقصة ومتفرقة. أما مع الحكمة العملية، فإنها ترتقي إلى مستوى جديد تتوحد فيه الفضائل وتتكامل. وهذا ما يجعل أرسطو يصرّ على أن الفضيلة الكاملة لا تتحقق إلا إذا اجتمعت جميع الفضائل معاً في شخصية واحدة، وهذا الاجتماع لا يحدث إلا بفضل الحكمة العملية.
يُظهر هذا التصور أن الحكمة العملية لا تقتصر على إصلاح الفضيلة الطبيعية، بل تؤدي أيضاً وظيفة تركيبية كبرى، إذ توحّد الفضائل المتفرقة في إطار متكامل. بهذا يضمن أرسطو أن الحياة الفاضلة ليست مجرد جمع لميل طبيعي هنا أو عادة حسنة هناك، بل بناء متماسك يقوده العقل. ومن هنا نفهم أن وحدة الفضائل ليست فكرة نظرية مجردة، بل نتيجة مباشرة للدور العملي الذي تقوم به الحكمة العملية في تنظيم سلوك الإنسان وإعطائه انسجاماً داخلياً.
المحور السادس: الخاتمة عند أرسطو وقراءة دي باسيليو
يصل أرسطو في ختام بحثه إلى نتيجة محورية: الفضيلة الطبيعية موجودة فعلاً ويمكن أن تمنح صاحبها ميلاً صادقاً نحو الخير، لكنها تبقى عمياء من دون الحكمة العملية. أما حين يقترن الميل الفطري بالبصيرة العقلية، فإننا نبلغ ما يسميه الفضيلة السلطوية أو الكاملة، أي الفضيلة التي تملك سلطة أخلاقية كاملة وتستطيع أن تقود الإنسان إلى الفعل الصائب في مختلف الظروف. بهذا يرد أرسطو على الاعتراض الذي انطلق منه: لا يكفي أن يكون الإنسان فاضلاً بطبعه حتى يستغني عن الحكمة العملية، بل هو محتاج إليها لتصحيح مساره وصون فضيلته من الزلل.
يرى دي باسيليو أن هذا الاستنتاج لا يقتصر على حل لغز فلسفي قديم، بل يكشف عن عمق النظرة الأرسطية إلى الأخلاق. فالتمييز بين الفضيلة الطبيعية والفضيلة الكاملة يفتح الباب أمام فهم تدريجي للفضيلة: الإنسان يولد بميول واستعدادات، ينمّيها بالتربية والعادة، ثم يبلغ كمالها بالحكمة العملية. هذه الرؤية تجعل الفضيلة مساراً متدرجاً لا لحظة واحدة مكتملة. كما تبيّن أن العقل ليس عنصراً خارجياً يضاف إلى الخلق، بل هو قلب العملية التربوية والأخلاقية التي تحوّل الميل إلى اختيار، والانفعال إلى قرار، والقدرة الكامنة إلى فعل ناجح.
يشدد دي باسيليو على أن كثيراً من المفسرين أهملوا قيمة هذا التفريق عند أرسطو، فاعتبروا الفضيلة الطبيعية مجرد شبه فضيلة أو صورة زائفة. غير أن القراءة الدقيقة للنصوص تظهر أن أرسطو لم يقصد ذلك، بل كان يرى في الفضيلة الطبيعية إحدى طرق امتلاك الفضيلة، وإن كانت غير كافية. وبذلك يمنحها مكانة حقيقية، لكنه يبيّن في الوقت نفسه أن قيمتها محدودة من دون الحكمة العملية.
تفتح هذه النتيجة أيضاً أفقاً جديداً للنقاش حول وحدة الفضائل. فالفضائل الطبيعية قد تتفرق وتتناقض، أما الفضائل الكاملة فتتحد بفضل الحكمة العملية. هذا يعني أن الإنسان قد يولد ميّالاً إلى الشجاعة لكنه يفتقر إلى الاعتدال، أو ميّالاً إلى الكرم دون العدالة. لكن حين يكتسب الحكمة العملية، فإنه يحقق توازناً يدمج الفضائل جميعاً في نسيج واحد متماسك. بهذا يؤكد أرسطو أن وحدة الفضائل ليست أمراً عرضياً بل ضرورة عقلية نابعة من الدور المركزي للحكمة العملية.
في النهاية، يقدّم أرسطو صورة مركبة للفضيلة: طبيعة تمنح البذور، وتربية تنمّيها، وحكمة عملية تكملها وتضمن استمراريتها. هذه الصورة تجعل الأخلاق عنده مشروعاً إنسانياً متكاملاً لا يكتفي بتقديس الميل الفطري ولا يقتصر على التمرين العملي، بل يضع العقل في موقع القيادة. ومن هنا تأتي أهمية قراءة دي باسيليو التي تكشف عن مغزى هذا التمييز المهمل في كثير من الدراسات، وتعيد إحياء السؤال الأرسطي حول معنى أن تكون فاضلاً بحق.
بهذا ينغلق مسار البحث الذي بدأ بسؤال: ما جدوى الحكمة العملية إذا كان الإنسان فاضلاً بطبعه؟ وتنتهي الإجابة الأرسطية إلى أن هذه الحكمة ليست مجرد إضافة، بل هي الشرط الذي يحوّل الميل الطبيعي إلى فضيلة مكتملة، ويمنح الإنسان القدرة على مواجهة تعقيدات الحياة بوعي واتزان.

