New Recipe

New Recipe

هل الكون صامت؟ تسبيح الموجودات في القرآن والفلسفة الإسلامية

أيسر –– لا يقدم القرآن الكريم الكون بوصفه مادة صامتة تحيط بالإنسان، ولا يصور الكائنات الأخرى مجرد أدوات مسخرة له، بلا معنى خاص أو انتظام ذاتي. وعلى العكس من ذلك، تبدو الطبيعة في الخطاب القرآني عالمًا ممتلئًا بالحركة والدلالة والتوجه إلى الله، حتى عندما يعجز الإنسان عن إدراك اللغة التي تعبّر بها الموجودات عن هذا […]

صحيفة المدينة: هل قدم الإسلام تصورًا رابعًا للعقد الاجتماعي؟

أيسر –– عندما تخيل توماس هوبز الإنسان قبل الدولة، رآه خائفًا من الآخرين، مستعدًا للاعتداء عليهم قبل أن يعتدوا عليه، فاحتاج إلى سلطة قوية تردع الجميع. وعندما طرح جون لوك السؤال نفسه، رأى الإنسان صاحب حقوق سابقة على الحكومة، لكنه يحتاج إلى قاضٍ محايد وقوة تنفذ القانون. أما جان جاك روسو، فذهب إلى أن الإنسان […]

هوبز ولوك وروسو: ثلاثة تخيلات للإنسان قبل الدولة

أيسر –– قبل أن تظهر الدولة، وقبل أن تُسن القوانين، وقبل أن يصبح هناك قاضٍ يفصل بين المتخاصمين وشرطة تنفذ الأحكام، كيف كان الإنسان يعيش؟ وهل يحتاج الإنسان إلى السلطة لأنها تحميه من الآخرين، أم لأنها تحمي الآخرين منه؟ وهل تنبع الحرية من الخروج من الطبيعة، أم من العودة إلى شيء فقدناه عندما نشأ المجتمع؟ […]

الرجل والمرأة في فكر الفلاسفة: من التمييز إلى المساواة

أيسر –– منذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته والعالم، ظلّ السؤال عن العلاقة بين الرجل والمرأة من أكثر الأسئلة حضورًا في الفكر الإنساني. فهل يختلفان في الطبيعة أم في الدور؟ وهل الاختلاف بينهما مسألة بيولوجية أم بنية ثقافية صاغها المجتمع؟ هذا السؤال، الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، شكّل خيطًا خفيًا يربط بين أقدم النصوص الفلسفية وأحدث النظريات النسوية، بين حوارات أفلاطون وأطروحات سيمون دي بوفوار، وبين أنثروبولوجيا القبيلة ومناهج الجندر الحديثة.

لقد تعامل الفلاسفة مع المرأة — في معظم التاريخ — لا بوصفها ذاتًا عاقلة مساوية للرجل، بل كـ«آخر» (the Other) يُعرَّف في مقابل الرجل الذي يُمثِّل النموذج والمعيار. ففي حين رأى أرسطو أن الأنثى «ذكر ناقص» من حيث الطبيعة والحرارة والعقل، تخيّل أفلاطون في الجمهورية إمكانية أن تتولى النساء أدوار الحكم إذا أتيح لهنّ التعليم ذاته، في موقفٍ بدا تقدميًا نسبيًا لزمنه، وإن ظلّ مشروطًا بالمقارنة الذكورية. ثم جاءت العصور الوسطى لتُعيد إنتاج التصورات نفسها تحت غطاءٍ لاهوتي، حيث عُدّت المرأة مصدر الخطيئة أو سبب السقوط، كما في القراءة التقليدية لقصة آدم وحواء.

لكن هذه الصورة بدأت تتصدع في أوروبا القرن السابع عشر مع ظهور أصواتٍ نسوية مبكرة حاولت تفكيك الفكرة من جذورها، أبرزها غابرييل سوشون  (Gabrielle Suchon)، الفيلسوفة الفرنسية التي ربطت بين نظرية المعرفة (Theory of Knowledge)  وبين المساواة بين الجنسين، مؤكدة أن العقل لا جنس له، وأن حصر التعليم والسلطة في الرجال ليس قانونًا طبيعيًا بل عُرفٌ اجتماعيٌّ ظالم. رأت سوشون أن الجهل المفروض على النساء نوع من العبودية، وأن المعرفة ليست امتيازًا ذكوريًا بل حقًّا إنسانيًا (Human Right) وشرطًا للحرية.

تُشكّل تجربة سوشون، وغيرها من المفكرات اللواتي سبقن عصرهن، نقطة تحوّل في تاريخ الفكر الغربي؛ إذ نقلت النقاش من مسألة «قدرة المرأة» إلى مسألة «احتكار الرجل للمعرفة». هذا التحول لم يكن مجرد ثورة اجتماعية، بل إعادة تأسيس للفلسفة نفسها من منظورٍ شامل للإنسان، أي الفكر الإنساني الكلّي (Universal Human Reason) الذي لا يستثني أحدًا على أساس الجندر أو الجسد.

في هذا المقال، نحاول أن نتتبّع هذا المسار الطويل: من تصورات الفلاسفة القدماء عن المرأة، إلى بروز الفلسفة النسوية الحديثة، لنرى كيف تحوّل النقاش من مفاضلةٍ بين الجنسين إلى مساءلةٍ لطرائق التفكير ذاتها. فالسؤال لم يعد: أيهما أذكى أو أقدر؟ بل: كيف صيغت مفاهيم «العقل» و«الفضيلة» و«المعرفة» بطريقةٍ جعلت الرجل مقياسًا والمرأة استثناءً؟

المحور الأول: المرأة في الفكر الكلاسيكي – من أفلاطون إلى أرسطو

منذ نشأة الفلسفة الإغريقية، ارتبط التفكير في المرأة بمسألة أعمّ: ما هي الطبيعة الإنسانية؟ وهل يتوزّع العقل والفضيلة بالتساوي بين الجنسين؟ في الحقيقة، لم يكن طرح الفلاسفة لهذه المسألة بريئًا من خلفيته الاجتماعية؛ فقد عاشوا في مجتمعاتٍ أُقصيت فيها النساء عن الحياة العامة، فانعكس ذلك على تصورهم لما هو «طبيعي» وما هو «ناقص».

في الجمهورية، يقدّم أفلاطون رؤيةً تُعدّ أكثر انفتاحًا من أغلب مفكري عصره، إذ يقول على لسان سقراط إن النساء يمكن أن يشاركن الرجال في الحكم والقتال إذا أُتيح لهن التعليم ذاته، لأن «الاختلاف بين الرجل والمرأة ليس في النوع، بل في الدرجة» (Republic, V, 455d–456b). لكنه، رغم هذا الانفتاح النسبي، لم يلغِ البنية الهرمية التي تجعل الرجل معيار الفضيلة؛ فالمساواة عنده مشروطة بالقدرة على محاكاة ما هو «ذكوري»، لا بالاعتراف بما هو «أنثوي» كقيمة مستقلة.

أما أرسطو، فقد رسّخ التفاوت بوصفه حقيقة ميتافيزيقية. في كتابه Generation of Animals، يذهب إلى أن «الأنثى هي ذكر ناقص» (Aristotle, GA, II.3, 737a28)، وأن الذكر هو «المبدأ الفاعل» بينما الأنثى «المبدأ المنفعل». هذا التصور البيولوجي لم يكن توصيفًا علميًا فقط، بل تحوّل إلى نموذجٍ فلسفي أسقطه أرسطو على الأخلاق والسياسة، فاعتبر أن الرجل خُلِق للحكم والمرأة للطاعة (Aristotle, Politics, I.12, 1259b). وبذلك تحوّل الاختلاف الجسدي إلى معيارٍ للعقل والفضيلة معًا، أي إلى ما يمكن تسميته اليوم ميتافيزيقا الجندر (Metaphysics of Gender).

المفارقة أن الفكر الرواقـي الذي جاء بعد أرسطو حاول تصحيح هذا الانحراف. فقد رأى زينون الكيتيومي، مؤسس المدرسة الرواقية، أن الفضيلة واحدةٌ للجميع، وأن المرأة، مثل الرجل، قادرة على بلوغ الحكمة ما دامت تمتلك العقل نفسه (Diogenes Laërtius, Lives of Eminent Philosophers, VII.32). غير أن التطبيق الاجتماعي لم يواكب هذا المبدأ، لأن القوانين الرومانية بقيت تحصر الوصاية والسلطة في الرجال.

بهذا، نرى أن الفلسفة الكلاسيكية — رغم اختلاف مدارسها — أسست بشكلٍ غير مباشر لفكرة «الإنسان الذكر» بوصفه المعيار الأعلى للعقل والفضيلة. حتى محاولات أفلاطون والرواقيين بقيت حبيسة تصورٍ ذكوريٍّ ضمني، يجعل من المرأة كائنًا «يمكن ترقيته» لا كائنًا كاملاً بذاته. وكما يعلّق الباحث Allen (2019)، فإن «ما بدا في زمن أفلاطون خطوة نحو المساواة، كان في الحقيقة إعادة ترسيخٍ لهيمنة الرجل عبر بوابة الفلسفة» (Philosophy Today, Vol. 63, No. 2, p. 245).

بهذا، بدأ تاريخ الفلسفة من نقطة اختلالٍ واضحة: إقصاء نصف البشرية عن تعريف الإنسان ذاته. فحين يتحدث أرسطو عن «الإنسان كحيوانٍ عاقل»، فإنه يعني ضمنًا الرجل، أما المرأة فهي — كما كتب في Politics — «كائن غير مكتمل، لكنه أقرب إلى الرجل من العبد» (Aristotle, Politics, I.13, 1260a). تلك الجملة وحدها تلخّص مأساة الفلسفة القديمة في نظرتها إلى الجندر: عجزٌ عن تخيّل إنسانٍ لا تُحدّده الفحولة.

في المحور التالي سنتتبع كيف انتقلت هذه التصورات إلى الفكر الديني والفلسفي في العصور الوسطى، حيث أُلبست الفوارق القديمة ثوبًا لاهوتيًا، فصارت المرأة رمزًا للخطيئة، والرجل تجسيدًا للعقل والوصاية، إلى أن بدأ التحوّل مع فجر الحداثة.

المحور الثاني: المرأة بين الفلسفة والدين في العصور الوسطى

انتقلت صورة المرأة من الفلسفة اليونانية إلى الفكر الديني في العصور الوسطى عبر قنوات الترجمة والشروح الأرسطية والأفلاطونية، فامتزجت الميتافيزيقا القديمة باللاهوت المسيحي والإسلامي على حدٍّ سواء. النتيجة كانت استمرار النظرة إلى المرأة ككائنٍ ناقص، لكن هذه المرة لا بسبب «برودة جسدها» كما عند أرسطو، بل بسبب «خطيئتها الأولى» كما في اللاهوت المسيحي.

في الفكر الغربي الوسيط، برزت شخصية القديس توما الأكويني (Thomas Aquinas) بوصفه أبرز من أعاد صياغة الميراث الأرسطي في ضوء العقيدة المسيحية. ففي Summa Theologica  يكرر أن المرأة «مخلوقة لتكون معونةً للرجل في التناسل لا في القيادة» (Aquinas, ST, I, q.92, a.1). ويضيف أن الله لم يخلقها من رأس آدم كي لا تتسلّط، ولا من قدميه كي لا تُداس، بل من جنبه لتكون تابعةً له لا مساوية (ibid.). هنا يتجلّى التحالف بين الفلسفة واللاهوت في تثبيت التراتب الجندري: الطبيعة والتفسير الديني يلتقيان لتبرير خضوع المرأة.

هذه الفكرة نفسها وجدت صداها في الفكر الإسلامي الوسيط، لكن بصيغٍ أكثر تعقيدًا. فبينما رأى بعض الفقهاء في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: 34) أساسًا للتفوق الذكوري ورفض العديد من العلماء المسلمين هذا التفسير باعتبار المسألة ليست “تفوقا” بقدر ما هي مسؤولية الرجل عن قوامة بيته أي رعايته والانفاق عليه، وقدّم ابن رشد كذلك قراءة مغايرة في شرحه على جمهورية أفلاطون. فهو يرفض تبرير إقصاء النساء عن الحكم والتعليم، ويقول إنّهنّ «يشتركن مع الرجال في النوع الإنساني، وفي الفضائل العقلية، وإن منعهنّ من المشاركة ظلمٌ للعمران» (Ibn Rushd, Talkhīs Sīyāsah Aflāṭūn, ed. Bouyges, 1939, p. 78).  يرى ابن رشد أن حبس النساء في البيت بدعوى الضعف إهدارٌ لقوةٍ إنتاجية وأخلاقية للمجتمع، وهو بذلك يسبق المفكرين الأوروبيين في الدعوة إلى المساواة التعليمية والأخلاقية.

لكن هذا الموقف ظلّ استثناءً في محيطٍ عام تغلب عليه التأويلات الذكورية والأعراف المجتمعية الموروثة خارج إطار تعاليم الاسلام. ففي التراث الصوفي مثلاً، تُقدَّم المرأة أحيانًا رمزًا للحكمة أو للروح، كما في صورة رابعة العدوية، لكنها تظلُّ رمزًا لا ذاتًا فاعلة. أما في الأدبيات الأخلاقية، فتُحصر فضائلها في العفّة والطاعة، بينما يُقاس الرجل بالشجاعة والعقل، كما يظهر في كتابات الغزالي في إحياء علوم الدين حيث يعتبر أنّ «كمال المرأة في حسن تبعّلها لزوجها» (al-Ghazālī, Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn, vol. 2, p. 53).

لقد كان هذا العصر، بتعبير الباحثة Caroline Walker Bynum (1987)، »عصرًا حاول فيه اللاهوت استيعاب المرأة داخل نظامٍ معرفي ذكوري، لا عبر الاعتراف بعقلها بل عبر تأويل جسدها (Holy Feast and Holy Fast, p. 112). « الجسد الأنثوي أصبح موضعًا للرمز، والعقل الذكري ظلّ مركزًا للتفسير. وهكذا، ظلّ الخطاب الفلسفي والديني معًا يعيد إنتاج الثنائية نفسها: الرجل عقلٌ وفاعل، والمرأة جسدٌ ومنفعل.

لكن في أطراف هذا المشهد بدأت تظهر أصواتٌ صغيرة تقاوم هذا الإرث، مثل كاترين السيناوية في الغرب، ونسوة الفقه والحديث في المشرق الإسلامي، اللواتي قدّمن أولى المقدمات لتبدّل الرؤية في العصور الحديثة، حين ستبدأ المرأة في استعادة موقعها في المعرفة بوصفها ذاتًا مفكّرة (Thinking Subject) لا موضوعًا للشرح والتقويم.

في المحور التالي، سننتقل إلى عصر النهضة والتنوير، حيث ستدخل المرأة ساحة الفلسفة نفسها لتعيد تعريف العقل والمعرفة والسلطة من الداخل، بدءًا من فرانسوا بولان دو لا باري وصولًا إلى غابرييل سوشون.

المحور الثالث: من التنوير إلى سوشون: ولادة العقل المحايد

مع بدايات القرن السابع عشر، تغيّرت صورة المرأة في الفكر الأوروبي من كائنٍ خاضع إلى كائنٍ مفكّر، لكنّ هذا التغيير لم يأتِ من داخل المؤسّسة الفلسفية، بل من خارجها — من نساءٍ قرّرن أن يحتكمن إلى العقل الذي طالما استُخدم ضدّهن. في قلب هذه المرحلة، ستظهر أسماء مثل فرانسوا بولان دو لا باري (François Poullain de la Barre) وغابرييل سوشون (Gabrielle Suchon)، لتؤسّسا لما يمكن تسميته بالفلسفة النسوية الأولى (Proto-Feminist Philosophy)، حيث يتمّ إعادة تعريف العقل نفسه بوصفه مجالًا إنسانيًا مشتركًا، لا ملكيةً ذكورية.

نشر دو لا باري عام 1673 كتابه De l’égalité des deux sexes  (عن مساواة الجنسين)، وفيه يعلن جملته الشهيرة: «العقل لا جنس له  «يذهب إلى أنّ التفاوت بين الرجال والنساء ليس طبيعيًا بل اجتماعيٌّ وثقافيٌّ؛ فالنساء لا ينقصهن الذكاء، بل حُرمن من التعليم الذي يُنمّيه«. هذه المقولة، التي بدت في زمانها استفزازًا، كانت أول محاولة لإخراج النقاش من ميدان الأخلاق إلى ميدان نظرية المعرفة (Epistemology)؛ إذ جعلت المساواة قضية عقل، لا قضية عاطفة.

بعد عقدين تقريبًا، جاءت غابرييل سوشون لتدفع هذا التصور إلى مداه الأقصى. ففي كتابها Traité de la morale et de la politique (1693)  وكتابها Du célibat volontaire (1700)، تُعيد تعريف المعرفة ذاتها باعتبارها شرط الحرية الإنسانية. ترى سوشون أن الجهل المفروض على النساء «نوعٌ من العبودية التي تُخالف القانون الإلهي والعقل الطبيعي« (Suchon, 1693, p. 45)، وأنّ الاستقلال الفكري ليس ترفًا بل فريضة أخلاقية. تقول: «لا يمكن للإنسان — رجلًا كان أو امرأة — أن يبلغ الفضيلة دون معرفةٍ تفتح له طريق الحكم الصائب«  .(ibid., p. 71)  

ما تفعله سوشون، كما تشرح الباحثة Margaret Atherton (2003)، هو قلب ترتيب العلاقة بين المعرفة والجندر؛ فبدل أن تكون المعرفة امتيازًا للرجال، تجعلها أداة لتحرير النساء، معتبرةً أن العقل «هو المجال الذي تتساوى فيه جميع الأرواح«(Atherton, Women Philosophers of the Early Modern Period, p. 92). وهي بذلك لا تكتفي بالمطالبة بالمساواة، بل تُعيد بناء مفهوم العقل ذاته بوصفه عقلًا محايدًا (Gender-Neutral Reason).

تتميّز سوشون أيضًا بأنها لم ترفض الدين، بل أعادت قراءته ضدّ التسلّط الذكوري. فهي تستند إلى فكرة أن الله منح الإنسان حرية الاختيار، ومن ثمّ فإن حرمان المرأة من حرية الفكر يناقض مشيئة الخالق (Suchon, 1693, p. 102). بهذا المعنى، يمكن اعتبار مشروعها محاولةً لتصحيح اللاهوت من داخله، على نحوٍ يسبق ما فعلته لاحقًا ماري وولستونكرافت في إنجلترا بقرنٍ كامل.

لقد مثّلت أعمال سوشون نقطة تحوّل في تاريخ الفلسفة الحديثة؛ إذ لم تعد المرأة موضوعًا للبحث، بل أصبحت الذات العارفة (Knowing Subject). وكما تشير ساره هاتون  (Hutton, 2019)، فإن «سوشون كانت من أوائل من أعلن أن حرية المرأة لا تبدأ من السياسة بل من الوعي، وأن المعرفة هي الشكل الأعلى من أشكال العدالة «

 (Journal of Modern Philosophy, 1(2): 88).

من هنا، يُمكن القول إن القرن السابع عشر شهد ولادة العقل المحايد — عقلٍ لا يتحدّد بجسد صاحبه، بل بقدرته على الفهم والنقد. هذه الفكرة ستتطوّر لاحقًا في فلسفات التنوير، ثم تجد ترجمتها الوجودية عند سيمون دي بوفوار في القرن العشرين، التي ستعيد طرح السؤال من جديد: إذا كان العقل لا جنس له، فلماذا ظلّ العالم يحكمه الذكور؟

في المحور التالي سننتقل إلى هذا السؤال تحديدًا، مع الفكر النسوي الحديث من دي بوفوار إلى فلسفة الجندر، وكيف أصبحت «المرأة» مرآةً لفحص العقل نفسه، لا مجرد قضية اجتماعية.

الخاتمة

منذ أفلاطون حتى جوديث بتلر، ظلّت المرأة في الفلسفة مرآةً تعكس صورة الإنسان كما تخيّله كل عصر. ففي بدايات الفكر الإغريقي، كانت تُرى كظلٍّ للرجل، كائنًا ناقصًا في طبيعته وعقله، بل مادةً سلبية في مقابل الصورة الفاعلة للرجل كما في تصوّر أرسطو (Generation of Animals, II.3, 737a28). ومع مرور الزمن، تراكمت هذه الرؤية لتصبح تقليدًا فلسفيًا يُعيد إنتاج التراتب الذكوري تحت أسماءٍ مختلفة: الطبيعة، العقل، أو النظام الإلهي.

لكن في قلب هذا التاريخ الطويل، ظهرت أصواتٌ كسرت الصمت: أفلاطون الذي سمح بإمكانية المساواة المشروطة، وابن رشد الذي رأى في حبس النساء ظلمًا للعمران، وبولان دو لا باري الذي قال إن «العقل لا جنس له» (Poullain de la Barre, 1673, p. 12)، وسوشون التي أعلنت أنّ الجهل المفروض على النساء نوعٌ من العبودية (Suchon, 1693, p. 45). هؤلاء مهّدوا الطريق أمام سيمون دي بوفوار التي غيّرت وجه النقاش تمامًا حين قالت: «لا تُولد المرأة، بل تُصنع» (Beauvoir, 1949, p. 13)، لتفتح الباب أمام قرنٍ كامل من النقد البنيوي واللغوي والوجودي الذي سيعيد النظر في معنى الجندر ذاته.

إنّ مسار الفكر الفلسفي في هذه القضية لم يكن خطًّا صاعدًا نحو المساواة، بل حركةً متعرّجة بين التبرير والتحرير. فكل خطوةٍ نحو الاعتراف بالمرأة كانت أيضًا خطوةً نحو إعادة تعريف الإنسان. لقد غيّرت المرأة الفلسفة لا حين طالبت بحقّها، بل حين كشفت أن المفاهيم التي بُنيت عليها الفلسفة لم تكن محايدة أصلًا. بذلك أصبحت المرأة — في معناها الرمزي والفلسفي — الاختبار الأخير للعقل: إن فشل في الاعتراف بها، سقط في تناقضه الأخلاقي؛ وإن أنصفها، تحرّر من تحيّزه وبلغ أفقه الإنساني الأوسع.

ربما يكون أجمل ما قيل في ختام هذا المسار ما كتبته روزي بريدوتي Rosi Braidotti (2013)  أن النسوية ليست نهاية الفلسفة، بل بدايتها الجديدة؛ لأنها تُذكّرنا بأن التفكير في الإنسان لا يكتمل ما دام نصفه صامتًا (The Posthuman, p. 178). وفي هذا المعنى، تصبح رحلة المرأة في الفلسفة رحلة الفلسفة ذاتها نحو إنسانيّتها الكاملة — من الجسد إلى العقل، ومن العقل إلى الحرية.

المراجع

  • Aristotle. Generation of Animals. Trans. A. Platt. Oxford: Clarendon Press, 1910.
  • Aristotle. Politics. Trans. H. Rackham. Loeb Classical Library, 1932.
  • Aquinas, Thomas. Summa Theologica. Benziger Bros., 1947.
  • Atherton, Margaret. Women Philosophers of the Early Modern Period. Hackett, 2003.
  • Beauvoir, Simone de. Le Deuxième Sexe. Paris: Gallimard, 1949.
  • Braidotti, Rosi. The Posthuman. Cambridge: Polity Press, 2013.
  • Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge, 1990.
  • Bynum, Caroline Walker. Holy Feast and Holy Fast: The Religious Significance of Food to Medieval Women. University of California Press, 1987.
  • Diogenes Laërtius. Lives of Eminent Philosophers. Trans. R.D. Hicks. Harvard University Press, 1925.
  • Grosz, Elizabeth. Volatile Bodies: Toward a Corporeal Feminism. Bloomington: Indiana University Press, 1994.
  • Ibn Rushd (Averroes). Talkhīs Sīyāsah Aflāṭūn (Summary of Plato’s Republic). Ed. Bouyges, M. Beirut: Imprimerie Catholique, 1939.
  • Irigaray, Luce. Speculum of the Other Woman. Ithaca: Cornell University Press, 1974.
  • Lloyd, Genevieve. The Man of Reason: “Male” and “Female” in Western Philosophy. London: Methuen, 1984.
  • Poullain de la Barre, François. De l’égalité des deux sexes. Paris: 1673.
  • Suchon, Gabrielle. Traité de la morale et de la politique. Paris: Jean de La Caille, 1693.
  • Walker Allen, Amy. “Gender and Reason in Early Greek Thought.” Philosophy Today, Vol. 63, No. 2 (2019): 239–253.
  • Haraway, Donna. A Cyborg Manifesto. In Simians, Cyborgs, and Women. New York: Routledge, 1985.
  • Hutton, Sarah. “Gabrielle Suchon and the Origins of Feminist Philosophy.” Journal of Modern Philosophy, 1(2) (2019): 83–92.

تريند

الأكثر شيوعا

اشترك في النشرة الإخبارية 
لتصلك أحدث الاخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني