أيسر –– في مقالته «Rationalism Self-Restrained: Kant, Autonomy, and the Bounds of Sense» [العقلانية المقيّدة ذاتيًا: كانط، الاستقلال الذاتي، وحدود الحس]، المنشورة في مجلة Ergo عام 2026، يقدّم جو ستراتمان (Joe Stratmann)، من جامعة تينيسي في نوكسفيل، قراءة دقيقة لإحدى أكثر مسائل إيمانويل كانط (Immanuel Kant) تعقيدًا في Critique of Pure Reason [نقد العقل المحض]: لماذا لا يستطيع العقل النظري أن يعرف ما يتجاوز حدود التجربة الممكنة؟ لا يكتفي ستراتمان بتكرار الجواب الشائع القائل إن الإنسان لا يعرف إلا ما يقع ضمن التجربة الحسية، بل يحاول أن يبيّن أن كانط لم يكن يريد إخضاع العقل لسلطة خارجية، بل أراد أن يجعل العقل نفسه يكتشف حدوده من داخله. بهذا المعنى، يصبح التواضع الكانطي ليس هزيمة للعقل، بل تمرينًا عاليًا في استقلاله.
تنتمي المقالة إلى النقاشات المتخصصة في الفلسفة الكانطية، لكنها تمس سؤالًا أوسع من حدود الدراسة الأكاديمية: هل يستطيع العقل، بمجرد استخدامه للمفاهيم والمبادئ، أن يثبت وجود الله، أو النفس، أو الأشياء في ذاتها، أو أي موضوع يقع خارج التجربة؟ هذا هو السؤال الذي شغل الميتافيزيقا العقلانية قبل كانط، وخصوصًا عند مفكرين مثل كريستيان فولف (Christian Wolff) وكريستيان كروسياس (Christian Crusius). كان هؤلاء يرون أن العقل قادر على الانتقال من العالم المحسوس إلى مبادئه العليا، ومن الموجودات المشروطة إلى علة أولى، ومن التجربة إلى ما يتجاوزها. أما كانط، كما يقرأه ستراتمان، فلا يرفض العقلانية من حيث هي عقلانية، بل يرفض أن تتحول العقلانية إلى قفزة غير مشروعة خارج شروط المعرفة.
الفكرة المحورية في المقالة هي ما يسميه الكاتب «الجهل العقلاني»؛ أي استحالة الحصول على معرفة عقلية نظرية بموضوعات تتجاوز التجربة الممكنة. هذا الجهل ليس جهلًا عابرًا سببه نقص المعلومات، ولا مجرد عجز مؤقت يمكن تجاوزه بتقدم العلم. إنه حد بنيوي في طريقة عمل العقل النظري ذاته. فالمشكلة ليست أن العقل لا يملك مفاهيم عن الله أو العلة الأولى أو الجوهر أو الضرورة، بل أن هذه المفاهيم، حين تُفصل عن شروط التجربة، لا تعود قادرة على أن تمنحنا معرفة بموضوع محدد. يمكننا أن نفكر فيها، لكن التفكير ليس هو المعرفة.
هنا يميّز ستراتمان بين موقفين في فهم كانط. الموقف الأول، وهو الشائع في تقاليد التفسير الأنجلوسكسونية منذ بيتر ستراوسن (P. F. Strawson) وكتابه The Bounds of Sense [حدود الحس]، يقول إن العقل لا يستطيع تجاوز التجربة لأن شروط المعرفة مرتبطة بالحس والحدس والتجربة. هذا صحيح إلى حد بعيد، لكنه عند ستراتمان لا يكفي. فالخطر في هذا الفهم أنه يجعل العقل كأنه مقيد من الخارج: الحس يضع له الحدود، والتجربة تفرض عليه مجال الحركة. وهذا ما يسميه الكاتب نوعًا من «التبعية» أو «الهيتيرونوميا»، أي أن العقل لا يحكم نفسه بنفسه، بل يخضع لسلطة غيره.
في المقابل، يدافع ستراتمان عن قراءة أخرى: كانط يقدّم فهمًا «استقلاليًا» لحدود العقل. فالعقل، وفق هذه القراءة، لا يُسجن في التجربة بفعل قوة خارجية، بل يكتشف، عبر مبادئه الخاصة، أنه لا يستطيع أن ينتج معرفة نظرية مشروعة خارج التجربة الممكنة. إنه ليس عقلًا مهانًا أمام الحس، بل عقل يمارس محاكمة ذاتية. وربما هنا تكمن قوة كانط: إنه لا يقول للعقل «اصمت لأنك ضعيف»، بل يقول له «افحص شروطك الخاصة، وسترى أين تستطيع أن تعرف وأين لا تستطيع».
لفهم ذلك، يعود ستراتمان إلى بنية المعرفة العقلية عند كانط. العقل يعمل بالمبادئ؛ فهو لا يكتفي بتلقي الانطباعات، بل يحاول أن يربط الجزئي بالكلي، وأن يستنتج، وأن يبحث عن العلل والشروط. حين نقول مثلًا إن «كل تغير له سبب»، فإننا نستخدم مبدأ عقليًا ينظم الخبرة. لكن هذا المبدأ لا يكتسب قيمة معرفية إلا حين يمكن تطبيقه على موضوع معطى في التجربة. فإذا رأينا نافذة مكسورة، أمكننا أن نستنتج أن هناك سببًا لكسرها. هنا يعمل العقل بصورة مشروعة لأن نقطة انطلاقه موجودة في تجربة ممكنة.
لكن ماذا يحدث حين يريد العقل أن يستخدم مبدأً عامًا ليقفز إلى ما وراء التجربة؟ لنأخذ مثالًا قريبًا من براهين الميتافيزيقا التقليدية: «كل موجود مشروط يحتاج إلى علة غير مشروطة». يبدو المبدأ منطقيًا أو قابلًا للتفكير، لكن المشكلة عند كانط ليست في صورته اللفظية وحدها. السؤال الحقيقي هو: هل نملك موضوعًا يمكن أن نطبّق عليه هذا المبدأ بمعناه الخالص، غير المرتبط بشروط الحس؟ نستطيع أن نعرف أشياء مشروطة داخل التجربة، لكن «المشروط» هنا يظهر لنا في الزمان، وفي علاقات السببية كما تنظمها التجربة. فإذا جرّدنا المفهوم من كل شرط حسي، فهل يبقى لدينا موضوع نعرفه، أم مجرد مفهوم نعلّقه في فراغ؟
تنجح مقالة ستراتمان في إعادة تقديم كانط بوصفه فيلسوفًا لا يعادي العقل، بل يخاف عليه من غروره. وهذا فارق حاسم. فالعقل، عند كانط، ليس آلة مطلقة تستطيع أن تفتح كل الأبواب، بل ملكة عظيمة تحتاج إلى نقد ذاتي كي لا تضل. وربما لهذا ظل نقد العقل المحض أحد النصوص المؤسسة في الفلسفة الحديثة: لأنه لم يسأل فقط ماذا نعرف، بل سأل أيضًا: بأي حق نعرف ما نزعم أننا نعرفه؟
يستخدم ستراتمان هنا مفهوم «الواقع الموضوعي» للمفاهيم والمبادئ. فالمفهوم لا يكفي أن يكون قابلًا للتصور منطقيًا؛ لا بد أن تكون له علاقة بموضوع يمكن أن يُعطى أو يُحدد ضمن شروط المعرفة. وهذا هو الفارق بين الإمكان المنطقي والإمكان المعرفي. قد لا يكون في مفهوم «العلة الأولى» تناقض ظاهر، لكن عدم التناقض لا يعني أننا نعرف علة أولى. وقد نستطيع أن نفكر في «الجوهر» أو «الضرورة» أو «اللامشروط»، لكن الفكر هنا لا يتحول تلقائيًا إلى معرفة.
تتضح أهمية هذه النقطة حين يميز ستراتمان بين المفاهيم الخالصة والمفاهيم كما تُستخدم داخل التجربة. مفهوم «السبب» مثلًا له معنى معرفي واضح حين يرتبط بتتابع زمني: حدث يقع بعد حدث، وفق قاعدة. لكن إذا نزعنا منه كل شرط زمني وحسي، وقلنا إننا نتحدث عن سبب لا يقع في الزمن ولا يمكن أن يُعطى في التجربة، فقد نحتفظ بكلمة «سبب»، لكننا نفقد القدرة على بيان الموضوع الذي تنطبق عليه هذه الكلمة. بهذا المعنى، لا يرفض كانط المفهوم لأنه بلا معنى تمامًا، بل يرفض تحويله إلى معرفة نظرية بموضوع خارج التجربة.
قيمة مقالة ستراتمان أنها تحاول إنقاذ كانط من تهمة شائعة: أنه ضيق مجال العقل أكثر مما ينبغي. فبدل أن يظهر كانط كفيلسوف أغلق باب الميتافيزيقا، يظهر هنا كفيلسوف أراد أن يمنع الميتافيزيقا من خداع نفسها. لقد رأى أن العقل، حين لا يراقب شروط استخدام مفاهيمه، يستطيع أن يبني صروحًا هائلة فوق فراغ. وهذه ليست مشكلة في قوة العقل، بل في انضباطه. فالعقل القوي ليس هو الذي يدّعي معرفة كل شيء، بل الذي يعرف متى يكون استنتاجه مشروعًا ومتى يتحول إلى وهم.
يستعيد المقال أيضًا البعد الجدلي في مشروع كانط. فخصومه ليسوا السحرة أو المتصوفة أو الأنبياء، بل العقلانيون التقليديون الذين يعتقدون أن العقل يستطيع أن يستنتج وجود موضوعات ميتافيزيقية عليا. هذا مهم لأن كانط لا يواجه اللاعقلانية هنا، بل يواجه نوعًا مفرطًا من العقلانية. إنه يقول للعقلاني: حتى لو قبلتُ بعض مبادئك، وحتى لو بدت غير متناقضة، فهذا لا يكفي. عليك أن تثبت أن هذه المبادئ يمكن أن تنطبق على موضوع معرفي. فإذا لم تستطع، فأنت لا تنتج معرفة، بل تنظّم أفكارًا بلا موضوع قابل للإثبات.
من هنا تأتي عبارة العنوان: «العقلانية المقيّدة ذاتيًا». ليست العقلانية هنا مرفوضة، بل مقيّدة من داخلها. العقل لا يتنازل عن كرامته حين يعترف بحدوده، بل يحافظ عليها. فالبديل عن هذا التقييد ليس حرية عقلية أوسع، بل فوضى ميتافيزيقية؛ حيث يستطيع كل مفهوم قابل للتفكير أن يدّعي لنفسه موضوعًا في الواقع. كانط، بحسب قراءة ستراتمان، لا يريد قتل الميتافيزيقا، بل يريد تحويلها من علم مزعوم بما وراء التجربة إلى نقد لشروط إمكان المعرفة نفسها.
مع ذلك، تبدو المقالة شديدة التقنية في بعض مواضعها، وخصوصًا حين تدخل في تفاصيل «التجريد الحسي»، و«مبادئ التركيب»، و«الواقعية الموضوعية»، والتمييز بين ما يمكن التفكير فيه وما يمكن معرفته. وهذا يجعلها أقرب إلى المتخصصين في كانط منها إلى القارئ العام. لكنها، رغم ذلك، تقدم فكرة يمكن تبسيطها دون خسارة عمقها: ليس كل ما يستطيع العقل أن يفكر فيه يستطيع أن يعرفه. وليس كل مفهوم خالٍ من التناقض يملك حق المرور إلى الواقع. بين الفكر والمعرفة تقف شروط صارمة، وكانط أراد للعقل أن يكتشف هذه الشروط بنفسه.
ربما يكون الاعتراض الأقوى على هذا النوع من القراءة أن كانط يترك لنا مجالًا ضيقًا جدًا للميتافيزيقا النظرية. فإذا كان الله، والحرية، والنفس، والأشياء في ذاتها لا يمكن أن تكون موضوعات معرفة نظرية، فهل تصبح مجرد أفكار تنظيمية أو إيمانية؟ هنا يمكن القول إن كانط لا يلغي هذه الموضوعات، لكنه ينقلها من حقل المعرفة النظرية إلى حقول أخرى: الأخلاق، والإيمان العملي، والتنظيم العقلي للخبرة. وبذلك لا يقول إن هذه الأفكار باطلة، بل يقول إن العقل النظري لا يستطيع أن يبرهن عليها كما يبرهن على موضوع داخل التجربة.
في زمننا الحالي، تتجاوز أهمية هذه الفكرة النقاش الكانطي الضيق. فنحن نعيش في عصر يثق بقوة النماذج والتجريدات: الخوارزميات، النظريات الكونية، الذكاء الاصطناعي، نماذج التنبؤ، والأنظمة الفكرية الكبرى. وكلها تستخدم مفاهيم ومبادئ قد تبدو قوية ومنسجمة. لكن درس كانط، كما يقدمه ستراتمان، هو أن الانسجام الداخلي لا يكفي. لا بد أن نسأل دائمًا: أين يلامس هذا المفهوم موضوعه؟ ما شروط تطبيقه؟ ومتى يتحول من أداة معرفة إلى بناء ذهني مغلق على نفسه؟
ويمكن، في السياق العربي الإسلامي، استحضار ابن طفيل (Ibn Tufayl) في حي بن يقظان بوصفه مثالًا معاكسًا جزئيًا للحدّ الكانطي. فحيّ يبدأ من المحسوس والطبيعة والجسد والموت وحركة الأفلاك، ثم يرتقي بالتأمل العقلي والصفاء الروحي إلى معرفة المبدأ الأعلى. غير أن التعارض هنا ليس كاملًا؛ فابن طفيل لا يمنح العقل قفزة مجردة في الفراغ، بل يجعله يبدأ من التجربة، لكنه يثق بقدرته على تجاوزها نحو الحقيقة العليا. أما كانط فيقبل البداية التجريبية، لكنه يرفض أن تتحول إلى معرفة نظرية بما يتجاوز كل تجربة ممكنة. هكذا يصبح ابن طفيل شاهدًا على تصور آخر للعقل: عقل لا يكتفي بالانضباط النقدي، بل يتدرج ويتطهّر حتى يطمح إلى رؤية ما وراء الحدود.
تنجح مقالة ستراتمان في إعادة تقديم كانط بوصفه فيلسوفًا لا يعادي العقل، بل يخاف عليه من غروره. وهذا فارق حاسم. فالعقل، عند كانط، ليس آلة مطلقة تستطيع أن تفتح كل الأبواب، بل ملكة عظيمة تحتاج إلى نقد ذاتي كي لا تضل. وربما لهذا ظل نقد العقل المحض أحد النصوص المؤسسة في الفلسفة الحديثة: لأنه لم يسأل فقط ماذا نعرف، بل سأل أيضًا: بأي حق نعرف ما نزعم أننا نعرفه؟
تذكّرنا المقالة في النهاية بأن التواضع المعرفي ليس انسحابًا من التفكير، بل شرط لنضجه. فحين يقيّد العقل نفسه، لا يفعل ذلك لأنه عاجز، بل لأنه يرفض أن يخلط بين الإمكان المنطقي والمعرفة الفعلية، وبين التفكير في الشيء ومعرفته، وبين بناء مفهوم وامتلاك موضوع له. هنا تصبح حدود العقل ليست جدارًا ضد الفلسفة، بل بداية الفلسفة النقدية نفسها.

