أيسر –– منذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته والعالم، ظلّ الزمن لغزًا يتسلّل بين الوعي والوجود، بين الشعور بالحركة وإدراك الثبات. غير أنّ الفلسفة الإسلامية قدّمت لهذا اللغز بعدًا ميتافيزيقيًا فريدًا، تجاوز التصوّر الفيزيائي للزمن إلى رؤيته بوصفه بنيةً كونيةً وروحيةً تربط بين الخلق والأبدية، بين النبوّة والمعاد، وبين فعل الله وتاريخ الإنسان.
ففي قلب هذا التصوّر يقف ثلاثيّ المفاهيم الكبرى: السرمد، الدهر، الزمان. وهي ليست مجرّد ألفاظ مترادفة، بل مراتب وجودية تصف درجات الحضور الإلهي في العالم. فالـ«سرمد» هو دوام الحقّ الذي لا يتبدّل ولا يُقاس، والـ«دهر» هو استمرار العقول والنفوس والمجرّدات في حضرةٍ تتجاوز التغيّر، أمّا الـ«زمان» فهو مقدار الحركة في العالم المادّي، المعبّر عن قبلٍ وبعدٍ وتبدّلٍ لا ينقطع. هذا التراتب، الذي نظّر له ابن سينا في الشفاء والإشارات والتنبيهات، جعل الزمن جسرًا يربط بين الله والعالم، لا مجرّد خلفيةٍ للأحداث، بل نظامًا ميتافيزيقيًا يعكس مراتب الوجود ذاته.
وعلى الرغم من أن الفلاسفة الإغريق، وعلى رأسهم أرسطو، ربطوا الزمن بالحركة، فإنّ الفكر الإسلامي تجاوز هذا الارتباط إلى ربط الزمن بالوعي الإلهي، أي بالفعل المستمر للخلق والتجدد. فالمتصوفة، من السهروردي إلى ابن عربي، لم يروا الزمن مجرّد خطّ مستقيم أو دورةٍ متكررة، بل رأوه «أنفاسًا» إلهية يتجلّى فيها الوجود في كل لحظةٍ من لحظات الكون. يقول ابن عربي في الفتوحات المكية: «ما ثمّ زمانٌ إلا وهو نَفَسٌ من أنفاس الحقّ تجلّى به للعالم»، وهي عبارة تلخّص الرؤية التي تجعل الزمن حدثًا للوجود لا عدًّا للحركة.
أما في الإشراق السهروردي، فإن الزمن يتخذ هيئة النور، فكلّ لحظة إشراقٍ هي خلق جديد، وكلّ ظلمةٍ انقطاعٌ عن الحضور. الزمن هنا ليس ما يقيسه العقل، بل ما تشهده البصيرة في حركة الأنوار من مبدأها إلى منتهاها. ومن خلال هذا الفهم النوريّ، تلتقي الفلسفة الإسلامية بالبعد الصوفي في تفسيرها للوجود، لتصوغ مفهومًا فريدًا يمكن تسميته بـ«الزمن الإلهي» — زمن يتولّد من فيض النور لا من دوران الكواكب.
وعلى النقيض من الرؤية الحديثة التي قدّمها برغسون حين وصف الزمن بـ«الديمومة«(durée)، أي التجربة الحيّة المتدفّقة التي لا تُقاس بالساعات، نجد أن الفلاسفة المسلمين سبقوا هذا الإدراك حين جعلوا الزمن ذاتيًّا لا موضوعيًّا، متغيّرًا في شعور الإنسان ومتّصلًا بالخلق الإلهي. وحتى هايدغر، الذي ربط «الزمانية» بـ«الكينونة» في الوجود والزمان، يلتقي جزئيًا مع ما قاله ابن عربي حين جعل الوجود نفسه «آنًا متجدّدًا«.
في الرؤية الإسلامية، الزمن في عالمنا ليس دائرةً مغلقةً كما في الفكر اليوناني القديم، ولا انسيابًا بلا غاية كما في الفلسفة الحديثة، بل هو قوسٌ يبدأ بالخلق وينتهي بالقيامة، قوسٌ له معنى وغاية واتجاه. فالقيامة ليست نهاية الزمن فحسب، بل اكتماله، اللحظة التي تتجلّى فيها الحقيقة المطلقة وينكشف فيها معنى كل لحظةٍ سبقتها. وبهذا يصبح الزمن في الفلسفة الإسلامية رحلةَ الوجود نحو الوعي الإلهي، لا مجرّد مرورٍ عابرٍ بين ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، بل حركةً كونيةً تمتدّ من «كُن» الأولى إلى «يوم يُنفخ في الصور«.
وسيناقش هذا المقال كيف تشكّل هذا التصوّر المتعدّد للزمن في أعمال ابن سينا والسهروردي وابن عربي، وكيف انبثقت منه رؤية إسلامية متفرّدة ترى الزمن في ضوء الوحي والنبوة، لا في معزلٍ عن المصير والقيامة. كما سيقارن بين هذه الرؤية ومقولات فلاسفة الزمن في الفكر الغربي من أرسطو إلى برغسون وهايدغر، في محاولةٍ لفهم كيف تحوّل الزمن في التراث الإسلامي إلى مفهومٍ جامعٍ بين الميتافيزيقا والتاريخ، بين المعرفة والنبوة، بين الخلق والبعث.
المحور الأول: السَّرمد والدهر والزمان — المراتب الثلاث للدوام
يبدأ التأمل الفلسفي الإسلامي في الزمن من تمييزٍ دقيقٍ بين ثلاثة مصطلحات أساسية: السَّرمد، والدهر، والزمان. وقد ورد هذا التثليث بوضوح في فلسفة ابن سينا الذي سعى إلى بناء نظريةٍ متكاملةٍ للوجود، ينسجم فيها المطلق الإلهي مع عالم الطبيعة دون أن يختلط به. فالزمن عنده ليس كتلةً واحدةً متجانسة، بل درجات من الدوام، ترتبط كلّ درجةٍ بنوعٍ من الوجود؛ من الوجود الحقّ إلى الوجود العقليّ إلى الوجود الحسّيّ.
1-1 السرمد: دوام الحقّ وثبات الكمال
يعرّف ابن سينا «السَّرمد» بأنه دوام لا يتقيّد بالقبل والبعد، وهو خاصّ بالله وحده، لأنّ وجوده أزليٌّ غير حادثٍ ولا يتغيّر. يقول في الشفاء: «السَّرمد هو دوام الوجود الذي لا يتصرّمه آنٌ ولا يحدّه زمان» (ابن سينا، الشفاء/الإلهيات، ص. 215). فالله في هذا المعنى خارج الزمن، لأنّ التغيّر من صفات المخلوقات، والدوام السرمديّ هو استمرار الحضور الإلهي من غير انقطاعٍ أو تعاقبٍ أو حركة.
هذا المفهوم يقابل، بشكلٍ جزئيّ، ما أطلق عليه أفلاطون في طيماوس »الأبدية «(aion)، التي بها تتعلّق الموجودات المثالية الثابتة، غير أن ابن سينا ينزّه السرمد عن كلّ علاقةٍ بالزمان أو الحركة، فهو كائن فوق الزمن وليس مجرّد امتدادٍ لا نهائيٍّ له. السرمد إذًا هو المبدأ الأوّل، مصدر الكينونة ومركز الثبات الذي يستمدّ منه كلّ ما سواه وجوده وزمنه.
1-2 الدهر: زمن العقول والنفوس
أمّا «الدهر» فهو درجةٌ وسطى بين السرمد والزمان، يخصّ الكائنات المجرّدة من المادة كالعقول والنفوس السماوية. فهو «دوامٌ لا يجري فيه قبلٌ ولا بعد، لكنّه يضمّ الكثرة دفعةً واحدة»، كما يقول ابن سينا. أي أنّ الدهر يحتوي على الزمن دون أن يكون زمانًا، لأنّه يرى ما يتعاقب في العالم المادي على نحوٍ كليٍّ واحدٍ لا ينقسم.
إنّ الفرق بين السرمد والدهر كالفرق بين الحضور المطلق والحضور الكليّ: فالأوّل لا يقبل الكثرة، والثاني يجمعها في آنٍ واحد. ومن هنا، يمكن فهم الدهر باعتباره أفق المعرفة الإلهية بالعالم، إذ يعرف الله الأشياء في نظامها الزمنيّ دون أن يتغيّر علمه بتغيّرها، لأنّها كلّها حاضرةٌ لديه في «دهرٍ واحد».
وقد أثّر هذا المفهوم في النقاشات الكلامية حول «العلم الإلهي بالجزئيات»، فصار الدهر وسيطًا يفسّر كيف يُحيط علم الله بالمتحوّل دون أن يتحوّل هو. وفي الوقت ذاته، يقابل «الدهر» عند ابن سينا مفاهيم مشابهة في الفلسفة اليونانية المتأخرة، مثل aeternitas عند الأفلوطينيين، أي دوام العقول العليا، ولكن بصبغةٍ توحيديةٍ لا تعدّها آلهةً بل مخلوقاتٍ نورية.
3-1 الزمان: مقدار الحركة ومجال التغيّر
أما «الزمان» فيحتفظ بمعناه الطبيعي عند أرسطو بوصفه «عدد الحركة بحسب قبلٍ وبعد»، غير أنّ ابن سينا يعيد تأويله في ضوء فلسفته الوجودية. فالزمان عنده ليس شيئًا قائمًا بذاته، بل مفهومٌ ينتزع من إدراكنا للتغيّر، أي أنه وجودٌ ذهنيٌّ يعتمد على الحركة المادية. وبما أنّ العالم المادي في تغيّرٍ دائم، فإن الزمان هو مقياس ذلك التغيّر، والإنسان يعي وجوده عبر هذا المقياس.
غير أنّ الزمان، رغم طابعه الحسّي، ليس منفصلًا عن الدهر والسرمد، بل ظلّهما المنعكس في العالم المادي. فكلّ لحظةٍ زمنيةٍ هي أثرٌ من حضورٍ دهريٍّ أعلى، والدهر نفسه فيضٌ من السرمد الإلهي. بهذا التدرّج، يصبح الزمن سلسلةً من الانعكاسات الوجودية، لا حركةً ميكانيكيةً فحسب.
4-1 تراتبية الدوام ووحدة الأصل
يقدّم هذا التقسيم الثلاثي رؤيةً متكاملة:
- السرمد = دوام الحقّ (خارج الزمان)،
- الدهر = دوام العقول (في حضورٍ دفعيّ)،
- الزمان = دوام الأجسام (في تعاقبٍ حسّيّ).
وهكذا يُصبح الزمن في الفكر السينوي تجلّيًا متدرّجًا للحقيقة، يبدأ من الكمال المطلق وينتهي بالحركة في العالم السفلي. إنّ كلّ مستوى من هذه المستويات يفسّر نوعًا من المعرفة: معرفة الله بنفسه في السرمد، ومعرفة العقول بالكليات في الدهر، ومعرفة الإنسان بالجزئيات في الزمان.
ومن هذا البناء ستنطلق الفلسفة الإسلامية اللاحقة — خاصةً عند السهروردي وابن عربي — لتعيد تعريف الزمن لا كمجرد مقياسٍ للحركة، بل كـ«تجلٍّ للنور» و«أنفاسٍ للحقّ».
المحور الثاني: الزمن النوري عند السهروردي — من فيزياء الحركة إلى ميتافيزيقا الإشراق
حين قدّم شهاب الدين السهروردي (ت. 587هـ) مذهبه في حكمة الإشراق، لم يكن بصدد إعادة صياغة المفاهيم الأرسطية للزمان، بل كان يسعى إلى تأسيس فلسفةٍ جديدةٍ تنطلق من مبدأٍ واحد هو النور. فكلّ ما في الوجود عنده «أنوارٌ متفاوتة الشدّة»، وما من شيءٍ إلا وله نصيبٌ من هذا النور الأعلى الذي هو «نور الأنوار»؛ ومن هنا يصبح الزمن نفسه تدرّجًا نوريًا، لا مجرّد قياسٍ ميكانيكيٍّ للحركة كما في التصور الأرسطي.
2-1 من الزمن إلى الإشراق
في نظر السهروردي، الزمن ليس عرضًا قائمًا بذاته، بل وجهٌ من وجوه الحضور النوري؛ فكلّ تغيرٍ في العالم إنما هو إشراقٌ جديد، أي تزايد أو تناقص في شدّة النور. إنّه لا يتعامل مع الزمن كمقدارٍ للحركة بل كـ«حركةٍ في مراتب النور»؛ فكلّ لحظةٍ من لحظات الكون هي تجلٍّ نوريٌّ يتبدّل فيه حال الموجود بين الخفاء والظهور.
ويقول في حكمة الإشراق: «الأنوار هي حقائق الأشياء، وكلّ ما سواها ظلالها. فإذا انكشفت الظلال للنور الأعلى، عاد الوجود إشراقًا لا يتناهى» (السهروردي، ص. 89).
من هذا المنظور، الزمن ليس خطًّا مستقيمًا بل تتابع تجلّياتٍ نورية، تنساب من العقول المجردة إلى الصور المادية، فيرتقي العارف عكس هذا المسار عبر الكشف والتطهير. فاللحظة الزمنية ليست وحدةً فيزيائية، بل «برهةُ إشراقٍ» يعيشها الوعي حين يتلقى فيض النور.
2-2 الآن النوري والدهر الإشراقي
يُعيد السهروردي قراءة مفهوم «الآن» — الذي كان عند أرسطو حدًّا بين الماضي والمستقبل — ليجعله نقطة التماسّ بين العالمين: عالم النور الأعلى والعالم المادي. فـ«الآن» عنده ليس انقطاعًا بين لحظتين، بل لحظةُ حضورٍ يتجلّى فيها الوجود على صورةٍ جديدةٍ تمامًا.
وإذا كان ابن سينا قد جعل «الدهر» مرتبةً وسطى بين السرمد والزمان، فإن السهروردي يصبغ هذه المرتبة بصبغةٍ نوريةٍ خالصة، فيغدو الدهر «حضور الأنوار المجردة» التي تُشرف على حركة العالم السفلي. والعارف، من خلال الكشف، يستطيع أن يعيش «دهريًا»، أي أن يرى الزمان كلَّه دفعةً واحدة بنور البصيرة، لا بتعاقب اللحظات.
2-3 الزمن كطريقٍ إلى المعرفة
من خلال هذا التفسير الإشراقي، يتحوّل الزمن من مقياسٍ موضوعيٍّ إلى خبرةٍ معرفيةٍ روحية. فكما أن النور يكشف الأشياء للبصر، فإنّ الزمن النوري يكشف طبائعها للبصيرة. والمعرفة هنا ليست جمعًا للأحداث في تتابعها، بل إدراكٌ لشبكةٍ من العلاقات اللامرئية التي تربط الكلّ بالكلّ.
وهذا ما يجعل السهروردي يمهّد لانتقال الفلسفة الإسلامية من «علم الحركة» إلى «علم الحضور». فالموجودات ليست تتحرك في الزمن فحسب، بل تتحرك نحو النور الذي هو مبدأها وغايـتها، والزمن هو مقياس هذه العودة التدريجية إلى الأصل.
2-4 المقارنة مع الفلسفة اليونانية
يبدو أن السهروردي استلهم الفكرة الأفلاطونية القائلة بأن الزمان «صورةُ الأبدية»، لكنه حوّلها إلى لغةٍ نورانيةٍ تتفق مع الروح الإسلامية. فالأبدية عنده ليست «صورةً عقلية» كما في طيماوس، بل «نورٌ سرمديّ» يشعّ باستمرار.
بهذا التحوّل، كسر السهروردي الحدود بين الميتافيزيقا والطبيعة، وبين الحركة والمعرفة، ليجعل من الزمن أحد أوجه النور، ومن النور جوهر الوجود. وهذا المفهوم سيفتح الطريق لاحقًا أمام ابن عربي لتوسيع الفكرة، وجعل الزمن نفسه فعلًا إلهيًا دائمًا، يتجدّد فيه الخلق «في كلّ آنٍ تجلٍّ جديد».
المحور الثالث: الزمن كأنفاس للحقّ عند ابن عربي — من التجلّي إلى القيامة
بلغ مفهوم الزمن في الفلسفة الإسلامية ذروته في فكر محيي الدين ابن عربي (ت. 638هـ)، الذي حوّله من فكرةٍ عقليةٍ أو إشراقيةٍ إلى تجربةٍ وجوديةٍ مطلقة، تعكس حركة الحقّ نفسه في تجلياته. فالزمن عند ابن عربي ليس مجرد إطارٍ للحوادث، بل هو الحدث المستمر للوجود، أو كما يقول في الفتوحات المكية: «ما ثمّ زمانٌ إلا وهو نَفَسٌ من أنفاس الحقّ تجلّى به للعالم» (ج1، ص. 312).
3-1 الزمن بوصفه تجلّيًا دائمًا للوجود
في مذهبه القائم على «وحدة الوجود»، يرى ابن عربي أن الله في تجلٍّ لا ينقطع، وأن العالم يتجدّد في كل لحظةٍ خلقًا جديدًا. فالزمن ليس حركةً في عالمٍ ثابت، بل تجدد الخلق ذاته، إذ لا يُعاد شيءٌ بعينه، بل يظهر الوجود في كل آنٍ على صورةٍ أخرى. يقول في فصوص الحكم:» ما في الكون تكرار، وإنْ ظُنَّ التكرار فهو من تشابه الصور«.
كلّ آنٍ من آنات الزمن هو نَفَسٌ إلهيٌّ، ومن مجموع هذه الأنفاس تتكوّن حياة العالم. بذلك، يصبح الزمن مظهرًا من مظاهر الرحمة الإلهية، لأنه يمكّن الخلق من أن يوجدوا باستمرار، ولولا هذا التجدد لانتهى الوجود إلى الفناء.
3-2 العلاقة بين الزمان والتجلّي
عند ابن عربي، لا يمكن فصل الزمن عن التجلّي، لأن التجلّي هو الذي «يُقيم» الزمان. فكلّ تجلٍّ إلهيٍّ يفتح طورًا زمنيًا جديدًا، والعالم يتغير لأن أسماء الله تتعاقب في الظهور. فالرحيم والمنتقم، الخالق والمحيي، كلها تتجلى وفق ترتيبٍ زمنيٍّ هو في الحقيقة ترتيب الظهور الإلهي في الوجود.
بهذا المعنى، يصبح التاريخ الكوني نفسه «كتابًا للتجليات»، يقرأ فيه العارف أثر الأسماء الإلهية، ويشهد في كلّ حدثٍ لحظةً من لحظات الوحي الكوني. فالزمن ليس «خارجيًا» عن الذات الإلهية كما في التصورات الأرسطية، بل هو تجلٍّ للحقّ في الزمان والمكان معًا.
3-3 الآن: لحظة الحضور الإلهي
يولي ابن عربي مفهوم «الآن» أهميةً قصوى، إذ يعدّه موضع اللقاء بين الأزل والأبد. فالآن هو النقطة التي فيها ينفتح السرمد على الوجود، وهو اللحظة التي لا يملكها إلا الحاضر مع الله. يقول: «الآن هو زمانك الحقيقي، فمن فاته الآن فاته الوجود».
فالحياة الروحية في فكر ابن عربي تقوم على الوعي بـ«الآن الدائم» — اللحظة التي لا ماضٍ لها ولا مستقبل، لأنها تجلٍّ لا يُعاد. وفي هذه الرؤية يتقاطع فكر ابن عربي مع بعض الفلاسفة اللاحقين مثل برغسون في مفهومه «الديمومة الحيّة»، وهايدغر في «الزمانية الأصيلة»، حيث اللحظة ليست وحدة قياسٍ بل حضورًا وجوديًا. غير أنّ ابن عربي يتفرّد بأن يجعل هذا الحضور ذا طبيعةٍ إلهيةٍ خالصة، لا مجرد تجربةٍ إنسانيةٍ داخلية.
3-4 الزمن والنبوة والقيامة
يرى ابن عربي أن الزمن له غايةٌ و«تيلولوجيا» (غائية) واضحة، تبدأ بالخلق وتنتهي بالمعاد. فالأنفاس الإلهية التي تتوالى في الخلق ستنتهي إلى «الأنفاس الأخيرة» يوم القيامة، حين يتجلّى الحقّ «تجلّيًا جامعًا» لا بعده تجلٍّ. فالقيامة ليست نهاية الزمن بل اكتماله؛ إنها لحظة عودة الوجود إلى أصله النوريّ الأول.
في هذا المعنى، يُعيد ابن عربي تأويل التاريخ الكوني بوصفه حركةً دائريةً — لا بمعنى العودة إلى نقطة البدء، بل بمعنى اكتمال الدائرة في معرفة الله بنفسه من خلال خلقه. فالزمن كلّه هو رحلةُ الله في التجلي ورحلةُ الخلق في الشهود، والقيامة هي لحظة اللقاء بين الطرفين.
3-5 من التجدد إلى الوعي الزمني
تفتح هذه الرؤية أمام الإنسان بابًا جديدًا لفهم الزمن لا كقيدٍ أو فناء، بل كفرصةٍ دائمةٍ للخلق والتجدّد. فمن يدرك أن كلّ لحظةٍ تجلٍّ جديد يدرك مسؤوليته الوجودية: أن يكون شاهدًا على الجمال الإلهي في كل آن. وبذلك يتحوّل الوعي بالزمن إلى عبادةٍ دائمةٍ للحضور، لأن كل ثانيةٍ هي «نَفَسُ وجودٍ» يمكن أن يكون طريقًا إلى الله.
إنّ ابن عربي، بهذا التصور، جعل الزمن حركةَ الوجود في الله، والوجود كلامَ الله المتجدّد في كل لحظة. ومن هنا فإنّ فهم الزمن عنده لا يمكن أن ينفصل عن التجلي والجمال والقيامة، لأنها مراحل من حدثٍ واحد هو «استمرار الخلق في أنفاس الحقّ».
المحور الرابع: الزمن والغائية في الفكر الإسلامي ومقارنته بالفكر الغربي
يتميّز التصور الإسلامي للزمن بأنه لا يقف عند حدّ الوصف أو القياس، بل يتجاوزهما إلى المعنى والغائية (التيليولوجيا). فكلّ لحظةٍ زمنيةٍ في هذا التصور تحمل مقصدًا، وكلّ حركةٍ في الكون تتجه نحو نهايةٍ ذات معنى هي القيامة. في حين أن معظم الفلسفات الغربية — من أرسطو إلى هايدغر — جعلت الزمن إطارًا لفهم الوجود، جعلته الفلسفة الإسلامية وسيلةً لفهم المقصد الإلهي من الوجود.
4-1 الزمن عند أرسطو: العدد والحركة
عند أرسطو، في كتابه الفيزياء (IV, 11–14)، الزمن هو «عددُ الحركة بحسب قبلٍ وبعد». أي أنه يُعرّف الزمان بوصفه تابعًا للحركة ومقياسًا لها. هذا التعريف، رغم دقّته، جعل الزمن مفهومًا كميًّا محضًا، لا يحمل بُعدًا روحيًا أو غائيًا.
وفي الفلسفة الإسلامية، قُبل هذا التعريف من حيث الشكل، لكنه خضع لتأويلٍ ميتافيزيقي. فـابن سينا يرى أن الحركة لا تكون إلا في عالمٍ صادرٍ عن الله، وبالتالي فإنّ الزمن نفسه أثرٌ من آثار الصدور الإلهي. ومع أنّه أداة قياسٍ للحركة، إلا أنّه لا ينفصل عن «نظام الحكمة» الذي يجعل كلّ حركةٍ في الكون جزءًا من قصدٍ إلهيٍّ شامل.
4-2 الزمن عند برغسون: الديمومة الداخلية
أمّا هنري برغسون، فقد انقلب على المفهوم الكميّ للزمن، مميّزًا بين الزمن الفيزيائي والزمن النفسي أو «الديمومة» (la durée). فالزمن الحقيقي عنده ليس سلسلةً من اللحظات المتقطعة، بل تدفّقٌ متّصلٌ من الخبرة والوعي. يقول في الزمن والإرادة الحرة: »إننا لا نعيش الزمن كما تقيسه الساعة، بل كما نحسّه في داخلنا.«
هذا التصوّر يتقاطع بعمقٍ مع الرؤية الصوفية عند ابن عربي والسهروردي؛ فكما أن برغسون جعل الزمن تجربةً داخليةً حية، رأى المتصوفة أن الزمن أنفاسٌ يعيشها الوعي في حضرة الحقّ. غير أنّ الفرق الجوهري يكمن في الغاية: فالديمومة البرغسونية إنسانيةٌ غير غائية، في حين أن «الأنفاس الإلهية» عند ابن عربي تتحرّك ضمن قوسٍ يبدأ بالخلق وينتهي بالبعث.
4-3 الزمن عند هايدغر: الزمانية بوصفها أفقًا للوجود
قدّم مارتن هايدغر في كتابه الوجود والزمان (1927) إحدى أكثر الرؤى عمقًا في الفلسفة الحديثة، إذ جعل الزمانية الشرط الأساسي للفهم والوجود الإنساني (الدازاين). فالإنسان لا يوجد ثم يمرّ في الزمن، بل هو في جوهره «زمانيّ»، أي أن وجوده يتشكّل من انفتاحه على الماضي (الذاكرة)، والحاضر (الانشغال)، والمستقبل (الترقّب).
غير أنّ الزمانية الهايدغرية تنتهي إلى قلق الوجود أمام الموت؛ فالإنسان عنده «كائن نحو الفناء». أما في الفلسفة الإسلامية، فإنّ الزمن لا ينتهي بالموت، بل يتخطّاه إلى القيامة، حيث يتحقّق الغرض النهائي للخلق. بذلك، يتحوّل القلق عند هايدغر إلى رجاءٍ في التصور الإسلامي، والموت من نهايةٍ إلى عبورٍ في مسار الزمن الكوني نحو الأبدية.
4-4 الغائية القرآنية للزمن
تتجلّى الغائية بوضوح في النص القرآني، حيث يُقدَّم الزمن كرحلةٍ ذات هدف:
«اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (الروم: 11).
هنا لا يُذكر الزمن كمقدار، بل كمجرىٍ لقصدٍ إلهيٍّ يتضمّن البدء والإعادة. فالزمن الكوني هو مسار الخلق نحو معرفة خالقه، والتاريخ الإنساني هو ساحة الامتحان الذي يقود إلى لحظة الحساب.
ويؤكّد السهروردي هذا المنظور حين يجعل كلّ لحظةٍ في العالم «طورًا في رحلة النور نحو أصله»، كما يرى ابن عربي أن «نهاية الزمان هي رجوع الصور إلى المعاني، والمعاني إلى الحقّ». فالزمن إذًا ليس دائرةً مغلقةً بل قوسًا مفتوحًا على الأبد.
4-5 من الغائية إلى المعنى
إنّ الفلسفة الإسلامية للزمن تقدّم رؤيةً تُوحّد بين الميتافيزيقا والتاريخ. فالتاريخ ليس تكرارًا ولا فوضى، بل مسارٌ موجّهٌ نحو غايةٍ عُليا. والماضي والحاضر والمستقبل ليست أطوارًا منفصلة، بل وجوهٌ لحركةٍ واحدةٍ يتجلّى فيها الله بصفاتٍ مختلفة.
وعلى خلاف الفكر الغربي الذي ينظر إلى الزمن كمشكلةٍ للوعي أو للكينونة، ينظر الفكر الإسلامي إليه كـعلامةٍ على الإرادة الإلهية، وكوسيلةٍ لمعرفة المقاصد والسنن. فكلّ لحظةٍ زمنيةٍ هي في حقيقتها فرصةٌ أخلاقيةٌ وتعبّديةٌ لفهم موقع الإنسان في الخلق.
4-6 مقارنة تركيبية
| البُعد | الفلسفة اليونانية (أرسطو) | الفلسفة الحديثة (برغسون/هايدغر) | الفلسفة الإسلامية |
| طبيعة الزمن | مقدار للحركة | تجربة أو وعي داخلي | تجلٍّ وجوديّ إلهي |
| مصدر الزمن | الطبيعة | الذات الإنسانية | فعل الله المستمر |
| الغاية | لا غاية | لا نهائية الوعي أو القلق | القيامة والمعرفة بالله |
| معنى اللحظة | حدّ بين قبل وبعد | تدفّق داخلي | تجلٍّ للحقّ وحضور روحي |
| العلاقة بالخلود | منفصلة عن الأبدية | مفتوحة على الوعي | مرتبطة بالسرمد الإلهي |
من هذا المنظور، يبدو أن الفلسفة الإسلامية قد دمجت بين عمق الوعي بالزمن الذي نجده في الفكر الغربي، وبين غائيةٍ دينيةٍ تجعل للزمن معنى أخلاقيًا وروحيًا. فهي لم تنفِ الزمن كما فعلت بعض المذاهب المثالية، ولم تختزله في التجربة الحسية، بل جعلت منه سيرورةً بين الخلق والمعاد، يكتمل معناها يوم يُكشف الحجاب، ويصبح الماضي والحاضر والمستقبل لحظةً واحدةً في علم الله.
المحور الخامس: الزمن بين القدر والحرية في الرؤية الإسلامية
من أعمق المباحث التي تناولها الفكر الإسلامي في مفهوم الزمن تلك التي تتصل بعلاقته بالقدر والحرية. فبينما يميل التصور الإلهي إلى إثبات علم الله السابق بكل ما سيكون، فإن التجربة الإنسانية تقتضي إمكانية الفعل والاختيار. والسؤال الفلسفي هنا: كيف يمكن أن يكون الزمن مفتوحًا للفعل الإنساني، وهو في الوقت ذاته مكتمل في علم الله؟
5-1 الله والدهر: وحدة الفعل وتعدّد المنظور
يُضيء الحديث النبوي الشريف «لا تسبّوا الدهر، فإنّ الله هو الدهر» (رواه مسلم) هذا الإشكال في عمقه الفلسفي، إذ يربط بين الزمن والإرادة الإلهية دون أن يخلط بينهما. فالله ليس هو الدهر بمعنى الزمان الكوني، بل هو الفاعل في الدهر، أي الذي تجري أقداره من خلاله.
يفسّر المتصوفة هذا المعنى بأنّ «الدهر» هو الوجه الفاعل للحقّ في العالم، والزمن هو مجرى هذا الفعل. وبذلك يصبح القدر هو بنية الزمن في علم الله، بينما الحرية هي بنية الزمن في وعي الإنسان. فالزمن في حقيقته واحد، لكن إدراكه يختلف باختلاف المنظور: منظور العالِم المطلق، ومنظور الكائن المحدود.
5-2 علم الله السابق والزمن المخلوق
قد رأى المتكلمون والفلاسفة المسلمون أنّ علم الله لا يُقاس بمراتب الزمان، لأن الله خارج الزمان ذاته. فالأحداث لا تتعاقب عليه كما تتعاقب علينا؛ بل هي كلّها حاضرة في علمه دفعةً واحدة — وهذا هو معنى «الدهر» عند ابن سينا.
لكن هذا لا يعني أن الإنسان مجبر في أفعاله؛ إذ إنّ الله، وإن علم ما سيكون، لم يُكره العبد عليه. فالعلم لا يقتضي الإكراه. وهنا تتجلى عبقرية الرؤية الإسلامية التي تجمع بين حتمية العلم الإلهي وحرية الاختيار الإنساني، لأن العلم عند الله إدراكٌ كليّ، والزمن الذي نعيشه نحن هو المجال الذي تتحقق فيه هذه الإمكانات بالفعل.
5-3 الزمن الأخلاقي والنية
في التصور الإسلامي، لا يُقاس الزمن فقط بتعاقب الساعات، بل بما يُودَع فيه من نيةٍ وفعل. فالحديث النبوي «إنما الأعمال بالنيات» يجعل للحظة الواحدة قيمةً أخلاقيةً غير قابلة للقياس المادي. فـ«الآن» عند العارفين هو لحظة المسؤولية، اللحظة التي يختبر فيها الإنسان قدرته على أن يكون شاهدًا على أفعاله أمام الله.
وهكذا يتحول الزمن إلى ميدانٍ أخلاقيٍّ للحرية؛ فكلّ آنٍ هو اختبارٌ جديد بين الامتثال والهوى، بين التزكية والغفلة. وهذا ما عبّر عنه الحارث المحاسبي بقوله: «الوقت سيفٌ، فإن لم تقطعه قطعك». فالزمن ليس مجرًى خارجيًا، بل تجربة داخلية تحسم فيها الإرادة مصيرها في كل لحظة.
5-4 الزمن كمسؤولية وجودية
يتّضح من الفكر الصوفي أن الزمن لا يُستعاد، وأن كل لحظةٍ تفوت هي «نَفَسٌ ضاع من العمر». ولهذا دعا أبو حامد الغزالي إلى «اغتنام الوقت» وعدّه رأس مال السالك إلى الله، لأن كل لحظةٍ قد تكون بابًا إلى النجاة أو الخسارة. يقول في إحياء علوم الدين: «رأس مال العبد عمره، فإذا فاته الوقت فاته رأس المال، والربح موقوف على المتاجرة».
ففي هذا الإطار، يصبح الزمن جوهر المسؤولية: الإنسان لا يملك أن يوقفه، لكنه يملك أن يمنحه المعنى. وهو ما يجعل الحرية الإنسانية في الإسلام حريةً داخل الزمن لا خارجه؛ حريةَ التأويل لا حريةَ الإلغاء.
5.5 المصير والقيامة: اكتمال الزمن ومعنى الحرية
في النهاية، يلتقي القدر والحرية عند القيامة، حيث تنكشف حقيقة الزمن ويتجلّى ما كان مستورًا في «الكتاب المكنون». فالتاريخ الإنساني بكل ما فيه من خياراتٍ وأفعالٍ إنما هو نسيجٌ من اللحظات التي ستُعرض يوم الحساب.
وعندها يفقد الزمن معناه المتعاقب ويصير حضورًا واحدًا دائمًا، إذ لا ماضٍ بعد العرض، ولا مستقبل بعد الجزاء. وهذا ما يجعل الفلسفة الإسلامية ترى في القيامة اكتمال الحرية لا نفيها، لأن الإنسان سيواجه نتائج أفعاله التي اختارها في الزمن الفاني، لتتحول إلى خلودٍ أبديٍّ في الزمن السرمدي.
5-6 تركيب الفكرة
يمكن تلخيص العلاقة بين القدر والحرية والزمن في الرؤية الإسلامية على النحو الآتي:
- القدر هو الصورة الكلية للزمن في علم الله (دهريّ).
- الزمن الإنساني هو مجال الاختبار والفعل (زمانيّ).
- الحرية هي القدرة على ملء اللحظة بالمعنى والاختيار (أخلاقيّ).
- القيامة هي لحظة التجلّي الكامل التي ترفع الزمان إلى السرمد، وتكشف نتائج الاختيار.
الخاتمة
إنّ التأمل في مفهوم الزمن داخل الفلسفة الإسلامية يكشف عن رؤيةٍ كونيةٍ متكاملة تتجاوز التصنيفات الغربية بين «الميتافيزيقي» و«الطبيعي». فالزمن في هذا الفكر ليس مجرّد إطارٍ للحوادث، بل نسيج الوجود ذاته، تتداخل فيه مراتب السرمد والدهر والزمان كما تتداخل مراتب الوجود الإلهي والعقلي والمادي.
من ابن سينا الذي جعل الزمن مقدارًا للحركة ومرآةً لتدرّج الوجود، إلى السهروردي الذي حوّله إلى إشراقٍ نوريٍّ يعكس درجات النور، إلى ابن عربي الذي رآه أنفاسًا إلهيةً يتجدّد بها الخلق — تتجلّى وحدة الرؤية الإسلامية في أنّ الزمن فيضٌ من الله وعودةٌ إليه. فالخلق لا يحدث في لحظةٍ واحدةٍ بل في لحظاتٍ متتابعةٍ من التجلي، والوجود لا يستمرّ إلا لأنّ الله في تجلٍّ دائمٍ لا ينقطع.
وبينما نظر أرسطو إلى الزمن بوصفه عددًا للحركة، وبرغسون إلى الديمومة كتيارٍ نفسيٍّ داخلي، وهايدغر إلى الزمانية كأفقٍ للكينونة، جاءت الفلسفة الإسلامية لتربط الزمن بالمعنى والغائية؛ فهو ليس انسيابًا بلا نهاية، ولا قلقًا وجوديًا بلا مخرج، بل رحلةٌ من الخلق إلى القيامة، من اللحظة إلى الأبد.
وفي قلب هذه الرؤية تتجلّى الحرية بوصفها جوهر التجربة الزمنية للإنسان؛ فكلّ لحظةٍ تُعاش هي امتحانٌ للوعي والإرادة. والإنسان لا يملك إيقاف الزمن، لكنه يملك أن يمنحه المعنى — أن يجعل من اللحظة طريقًا إلى الله، لا إلى العدم.
وعند القيامة، حيث تنكشف الحقيقة وتلتقي الأزمنة كلها في «الآن السرمدي»، يتحوّل الزمن إلى معرفة، والوجود إلى شهادة، ويصبح ما كان متفرّقًا في التاريخ حاضرًا في لحظةٍ واحدةٍ أبديةٍ هي الحقّ.
وهكذا يكتمل التصوّر الإسلامي للزمن في توازنه بين العلم الإلهي والحرية الإنسانية، وبين الحركة والنور، وبين البداية والنهاية. فهو زمنٌ يعبُر الإنسان فيه لا ليُفنى، بل ليُبعث على بصيرة.
المراجع
- ابن سينا، الشفاء – الإلهيات. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983.
- ابن سينا، الإشارات والتنبيهات. بيروت: دار المعرفة، 1992.
- السهروردي، شهاب الدين. حكمة الإشراق. تحقيق هنري كوربان. طهران: معهد الدراسات الإسلامية، 1970.
- ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية. بيروت: دار صادر، 1999.
- ابن عربي، محيي الدين. فصوص الحكم. تحقيق أبو العلا عفيفي. القاهرة: دار الكتاب العربي، 1946.
- الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة، بدون تاريخ.
- المحاسبي، الحارث. الرعاية لحقوق الله. القاهرة: دار السلام، 1998.
- Aristotle, Physics, Book IV. Oxford: Clarendon Press, 1983.
- Bergson, Henri. Time and Free Will: An Essay on the Immediate Data of Consciousness. New York: Dover, 2001.
- Heidegger, Martin. Being and Time. New York: Harper & Row, 1962.
- Nasr, Seyyed Hossein. An Introduction to Islamic Cosmological Doctrines. Albany: SUNY Press, 1993.
- Corbin, Henry. History of Islamic Philosophy. London: Kegan Paul, 1993.
- Chittick, William C. The Sufi Path of Knowledge: Ibn al-Arabi’s Metaphysics of Imagination. Albany: SUNY Press, 1989.

