أيسر — قد نقضي يومًا كاملًا في محاولة تغيير رأي شخص فينا، أو استعادة فرصة فاتتنا، أو ضمان نتيجة لم يحن موعدها. نراجع الكلمات والاحتمالات، ونؤجّل راحتنا إلى أن يستجيب العالم كما نريد. لكن ماذا لو كانت بعض معاناتنا ناشئة عن مطالبة أنفسنا بسلطة لا نملكها؟ وهل يصبح الإنسان أكثر حرية عندما يعترف بحدود قدرته، أم يفتح بهذا الاعتراف بابًا للاستسلام؟
يضع إبكتيتوس (Epictetus) هذا السؤال في قلب «المختصر»، المعروف بالعنوان الإنجليزي The Enchiridion. يبدأ النص بتمييز بين ما يتوقف علينا وما لا يتوقف علينا: أحكامنا ورغباتنا واختياراتنا من جهة، وأجسادنا وممتلكاتنا وسمعتنا ومناصبنا من جهة أخرى. يبدو التقسيم غريبًا، خصوصًا عندما يضع الجسد خارج دائرة ما نملكه. لكنه يريد أن يفصل بين مسؤوليتنا عن توجيه أفعالنا وقدرتنا على ضمان ما يحدث لنا.
فالإنسان يستطيع الاعتناء بصحته، لكنه لا يستطيع إصدار أمر يمنع المرض. ويستطيع العمل بإخلاص، لكنه لا يملك قرار ترقيته وحده. تبدأ المشكلة عندما يعامل النتيجة كأنها ملك مضمون، ثم يشعر أن العالم سلبه حقًا شخصيًا كلما خالف توقعه.
ما لا نضمنه قد نستطيع التأثير فيه
لا ينبغي فهم هذا التمييز باعتباره تقسيمًا بين أمور نستطيع تغييرها وأخرى يستحيل تغييرها. فالسمعة، مثلًا، تتأثر بسلوكنا، والصحة تتأثر بعاداتنا، لكنهما تبقيان معرضتين لعوامل تتجاوز إرادتنا. هناك فرق بين التأثير في الشيء وامتلاك الكلمة الأخيرة بشأنه.
تسمح هذه القراءة بتجنّب استنتاج متعجل: إذا لم تكن النتيجة تحت سيطرتي، فلا داعي للعمل. ففي مثال الاستعداد للمنافسة الرياضية، يطلب إبكتيتوس من الطامح إلى الفوز أن يفكر في التدريب والحرمان والإصابات المحتملة، وفي إمكان الهزيمة بعد ذلك كله. ثم يترك له قرار خوض التجربة بعد فهم كلفتها.
المطلوب إذن أن يدخل الإنسان الفعل بعينين مفتوحتين. يستطيع الالتزام بالتدريب من دون أن يعتبر الفوز دينًا على الآخرين أو على الحياة. ويمكن أن تكون الخسارة مؤلمة، من دون أن تصبح دليلًا على أن كل الجهد كان بلا قيمة.
من يملك مفاتيح رضاك؟
تكتسب المسألة معناها الأشد وضوحًا عندما يربط إبكتيتوس الحرية بما ننتظره من الآخرين. فمن يستطيع منحنا ما نعدّه ضروريًا لسعادتنا، أو حرماننا منه، يكتسب سلطة علينا. وقد يمارس هذه السلطة من دون تهديد صريح؛ يكفي أن نصبح مستعدين للتنازل عن مبادئنا كي نستبقي رضاه.
في أحد أمثلة النص، يناقش إبكتيتوس شخصًا يتألم لأنه لم يُدعَ إلى وليمة عند صاحب نفوذ. يذكّره بأن الدعوة ربما كانت تُشترى بالملازمة والمديح واحتمال سلوك المضيف. فإذا امتنع عن دفع هذا الثمن، فعليه أن يرى أيضًا ما احتفظ به، بدل أن ينظر فقط إلى المقعد الذي لم يحصل عليه.
يمكن تقريب الفكرة إلى حاضرنا في علاقة الكاتب بجمهوره أو الموظف برئيسه. فالرغبة في التقدير مفهومة، لكن تحويله إلى شرط للقيمة الشخصية يجعل صاحبه قابلًا للتوجيه. قد يخفف رأيًا يقتنع به، أو يصمت عن تجاوز، لأنه لم يعد يحتمل خسارة القبول.
لا يطلب هذا السؤال تجاهل النقد. إنه يدعونا إلى التمييز بين مراجعة الرأي استجابة لحجة، وتغييره خوفًا من أن نفقد مكانتنا. الأولى تساعد على استقلال الحكم، والثانية تمنح الآخرين حق التصرف فيه.
المسافة بين الحدث والحكم عليه
يرى إبكتيتوس أن اضطرابنا يرتبط بالأحكام التي نصدرها على الأحداث. وقد تبدو هذه الفكرة أكثر قبولًا في المواقف الصغيرة: يتأخر شخص في الرد، فنفسّر التأخر بوصفه إهانة؛ ينتقد أحدهم عملنا، فنفهم النقد باعتباره حكمًا على قيمتنا كلها.
ما وقع في الحالتين لا يساوي بالضرورة ما استنتجناه منه. ولهذا يدعو النص، عند الاستفزاز، إلى كسب مهلة قبل الانسياق وراء الانطباع الأول. ففي تلك المهلة يمكن فحص الواقعة واختيار الرد.
لكن هذه الفكرة تصبح أشد إشكالًا عندما تتناول الألم والفقد والعنف. فالأذى قد يكون حقيقيًا، مهما كانت قدرة المتضرر على إعادة تفسيره. ولا يصح تحويل الحديث عن أحكامنا إلى اتهام للمظلوم بأنه صنع معاناته بنفسه.
يمكن الاستفادة من المسافة التي يقترحها إبكتيتوس مع الحفاظ على هذا التحفّظ. فقد يساعدنا فحص الحكم على منع أذى إضافي، مثل تعميم إخفاق واحد على الحياة كلها. لكنه لا يلغي الضرر الأصلي، ولا يعفي المتسبب فيه من المسؤولية.
قد تبدأ الحرية إذن عندما نتوقف عن مطالبة أنفسنا بضمان كل شيء. لكن الاعتراف بالحدود يظل ناقصًا ما لم يساعدنا على تمييز ما نستطيع فعله داخلها، وما نستطيع توسيعه منها مع الآخرين. عندها يصبح السؤال أكثر دقة: ما الفعل الذي أستطيع تحمّل مسؤوليته، حتى عندما لا أملك ضمان نجاحه؟
هل القبول فضيلة دائمًا؟
يذهب النص أبعد من النصيحة بالهدوء؛ ففي فقرته الثامنة يدعو الإنسان إلى أن يريد وقوع الأشياء كما تقع. ويرتبط هذا الموقف، في الفقرة الحادية والثلاثين، بالإيمان بأن الآلهة تدبّر الكون بحكمة وعدل. لذلك لا يمكن اختزال فلسفته في تقنية محايدة لإدارة التوتر؛ وراءها تصور عن النظام الذي تنتمي إليه الحياة.
وهنا يظهر السؤال النقدي: إذا طلبنا من الإنسان التوافق مع ما يحدث، فكيف نحافظ على قدرته على رفض الظلم؟ وما الذي يمنع صاحب السلطة من استخدام هذه الحكمة ليطالب المتضررين بتهذيب مشاعرهم بدل المطالبة بحقوقهم؟
تساعد بعض فقرات النص على مقاومة القراءة الاستسلامية. فإبكتيتوس يتحدث عن واجبات تنشأ من علاقاتنا بالآخرين، ويؤكد أن واجب مشاركة الصديق أو الوطن في الخطر لا يسقط لمجرد احتمال الموت أو النفي. فالقبول بالمخاطرة قد يصاحب أداء الواجب، ولا يقتضي الانسحاب منه.
مع ذلك، تبقى صعوبة حقيقية في تشبيهه الإنسان بممثل يؤدي دورًا لم يختره، وفي مطالبته الابن باحتمال الأب السيئ. يمكن أن تقوّي هذه الصور القدرة على الاحتمال، لكنها قد تضيق أيضًا مساحة الاعتراض على العلاقة نفسها. وليس كل دور يُفرض على الإنسان جديرًا بأن يستمر، ولا كل ترتيب قائم يستحق الطاعة.
حرية تحمي الفعل من اليأس
يمكن أن نستفيد اليوم من إبكتيتوس عبر التمييز بين الاعتراف بوقوع الظلم والموافقة على استمراره. الأول ضروري لفهم الواقع، والثانية موقف أخلاقي وسياسي يحتاج إلى تبرير. وبالمثل، فإن عدم ضمان نجاح المقاومة لا يجعلها بلا جدوى.
قد يتقدم شخص بشكوى ولا ينال إنصافًا، أو يدافع عن حق ولا ينجح في حمايته. تساعده هذه الفلسفة عندما تمنعه من اختزال قيمة فعله في النتيجة وحدها. لكنها تصبح عائقًا إذا أقنعته مسبقًا بأن ما لا يملكه منفردًا لا يمكن تغييره بالتعاون مع غيره.
وتحتاج الفكرة إلى تواضع أيضًا في حديثها عن السيطرة على النفس. فالأحكام والانفعالات لا تتبدل دائمًا بمجرد القرار. والنص نفسه يعامل التقدم بوصفه تدريبًا وممارسة، ويختتم بنقد من يجيدون شرح المبادئ ويخالفونها في سلوكهم.
قد تبدأ الحرية إذن عندما نتوقف عن مطالبة أنفسنا بضمان كل شيء. لكن الاعتراف بالحدود يظل ناقصًا ما لم يساعدنا على تمييز ما نستطيع فعله داخلها، وما نستطيع توسيعه منها مع الآخرين. عندها يصبح السؤال أكثر دقة: ما الفعل الذي أستطيع تحمّل مسؤوليته، حتى عندما لا أملك ضمان نجاحه؟
النص الأصلي: إبكتيتوس، The Enchiridion «المختصر»، بترجمة إليزابيث كارتر — أرشيف الكلاسيكيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا . The Enchiridion by Epictetus
ـــــ

