أيسر ––– في كتابهما الجديد Kayfabe Nation: Professional Wrestling, Donald Trump, and the New Cynicism (أمة الكايفيب: المصارعة المحترفة ودونالد ترامب والسخرية الجديدة)، الصادر عام 2026، يقدّم نيل هيبرت وجون كوغبورن قراءة فلسفية وثقافية غير مألوفة للعلاقة بين المصارعة الاستعراضية والسياسة المعاصرة. لا ينظر الكتاب إلى المصارعة بوصفها تسلية هامشية، بل باعتبارها مختبرًا مبكرًا لفهم عالم سياسي صار فيه الجمهور يعرف أن كثيرًا مما يسمعه ملفّق أو مبالغ فيه، لكنه يستمر في التفاعل معه، بل وفي الدفاع عنه أحيانًا.
عنوان الكتاب نفسه يقوم على كلمة أساسية في ثقافة المصارعة: «كايْفيب» Kayfabe. وهي، في معناها التقليدي، القاعدة غير المكتوبة التي تلزم المصارعين والعاملين في الصناعة بعدم كشف أن نتائج المباريات والحكايات الدرامية معدّة سلفًا. ليس المقصود أن يخدعوا الجمهور كليًا، بل أن يحافظوا على اتفاق ضمني معه: سنقدّم لكم صراعًا يبدو حقيقيًا، وأنتم ستسمحون لأنفسكم بأن تنفعلوا كأنه حقيقي.
هذا الاتفاق هو ما يجعل المصارعة ممتعة. المشاهد يعرف، أو يشك، أن ما يراه تمثيل منظم، لكنه مع ذلك يصرخ حين يُهان البطل، ويفرح حين يُهزم الشرير، ويتفاعل مع خصومات لا تؤخذ بوصفها واقعًا حرفيًا، بل بوصفها واقعًا عاطفيًا. غير أن المؤلفين يقولان إن هذا النموذج لم يبق داخل الحلبة. لقد خرج إلى السياسة والإعلام والثقافة العامة.
يربط الكتاب بين هذا العالم وبين دونالد ترامب، لا لأن ترامب ظهر في عروض WWE فقط، ولا لأنه شارك في مشاهد شهيرة مع فينس مكمان، بل لأن أسلوبه السياسي نفسه استعار كثيرًا من منطق المصارعة الاستعراضية: الخصم ليس منافسًا بل شريرًا؛ الخطاب ليس برنامجًا بل «بروباغندا» مسرحية؛ الجمهور ليس ناخبًا يناقش السياسات بل جمهورًا ينتظر الإهانة والفضيحة والانتصار الرمزي. يصف المؤلفان ترامب بأنه «تلميذ فينس مكمان»، أي أنه تعلّم من عالم المصارعة كيف يحول السياسة إلى عرض دائم، وكيف يجعل المبالغة والشتيمة والادعاء أداة للتأثير لا عبئًا يجب الدفاع عنه.
التحول الأهم في الكتاب هو الانتقال من «الكايْفيب» التقليدي إلى ما يسميه المؤلفان «النيوكايْفيب» Neokayfabe. في المصارعة القديمة، كان السر هو ألا يقال علنًا إن المباراة مرتبة. أما في المرحلة الجديدة، فالسر صار مكشوفًا تقريبًا: الجميع يعرف أن الجميع يعرف. ومع ذلك يستمر الجميع في التصرف كما لو أن هناك سرًا لم يُكشف.
هذه الحالة تولّد نوعًا جديدًا من التلقي. لم يعد المشاهد يكتفي بمتابعة القصة الرسمية داخل الحلبة؛ بل صار يتابع أيضًا الأخبار والتسريبات والعقود والخلافات الحقيقية بين المصارعين. فيصبح عليه أن يعيش بين مستويين: القصة الخيالية، وما يقال إنه الواقع وراء الكواليس. بل إن ما وراء الكواليس قد يكون بدوره جزءًا من العرض. ولهذا يصف الكتاب المشجع المعاصر بأنه لا يعلّق شكه فقط، بل يعلّق حتى تعليقه للشك: يعرف أن اللعبة لعبة، لكنه لا يستطيع الاستمتاع بها إلا إذا دخل فيها وهو يعرف أنها لعبة.
من هنا ينتقل الكتاب إلى السياسة. فالمشكلة، في رأي المؤلفين، ليست أن الجمهور يُخدع دائمًا؛ بل أن جمهورًا واسعًا قد يعرف أن الكلام غير دقيق أو غير صادق، ومع ذلك يفضّل صاحبه لأنه يبدو «حقيقيًا» في مستوى آخر. قد يقول الناس عن سياسي إنه يكذب، لكنه «ليس منافقًا»، أو إنه فجّ ومهين، لكنه «يقول ما يفكر به». وهنا تتحول الأصالة من صلة بالحقيقة إلى مجرد شعور بأن الشخص لا يخجل من نفسه.
وهذا يفسر مفارقة مهمة: كيف يمكن لشخص يبالغ أو يناقض نفسه أو يطلق ادعاءات يسهل تفنيدها أن يبدو «أكثر صدقًا» من خصومه؟ جواب الكتاب: لأنه لا يقدّم نفسه بوصفه رجل دولة منضبطًا أو خبيرًا حذرًا، بل بوصفه شخصية تؤدي دورها بلا اعتذار. وكما في المصارعة، قد يكون الشرير محبوبًا لأنه واضح في شره، وقد تبدو مبالغته نفسها دليلًا على أنه لا يتصنع الوقار.
لكن هيبرت وكوغبورن لا يقفان عند تحليل الكذب السياسي. إنهما يربطان هذا التحول بما يسمّيانه «السخرية الجديدة». وهي ليست الشك الصحي الذي يطالب بالدليل، بل حالة يشعر فيها الفرد أن كل شيء مزيف، وكل السياسيين يكذبون، وكل المؤسسات فاسدة، ولذلك لا يعود هناك معنى للمشاركة أو المقاومة أو حتى محاولة التمييز بين الصحيح والخاطئ.
في هذه الحالة، تصبح عبارة «كلهم كذابون» أخطر من الكذبة نفسها. لأنها لا تكشف الكذب لكي نرفضه، بل تجعلنا نتعايش معه. فإذا كان كل شيء متساويًا في الزيف، فلن يكون هناك فرق بين التحقيق الصحفي والدعاية، ولا بين النقد الجاد ونظرية المؤامرة، ولا بين خطأ سياسي وإهانة للحقيقة. السخرية هنا لا تحرر الإنسان؛ بل تشلّه.
ولهذا يرفض الكتاب الاعتقاد الشائع بأن كشف الحقائق وحده كافٍ لمواجهة التضليل. فالمؤلفان يناقشان ما يسميانه «مغالطة كريستمان–غروب»: الفكرة القائلة إنه لو عرف الناس فقط ما يجري حقًا، فسيتصرفون تلقائيًا بطريقة تؤدي إلى تغيير إيجابي. لكن الواقع، كما يلاحظان، أكثر تعقيدًا. قد يعرف الناس أن الشركات تستغل العمال، أو أن السياسيين يناقضون أنفسهم، أو أن بعض الإعلام يضللهم، ومع ذلك لا يحدث تغيير. المعرفة لا تتحول تلقائيًا إلى فعل.
هذا يقود إلى أحد أهم اقتراحات الكتاب: لا يكفي الرد على نظريات المؤامرة بتفنيد جزئي أو بتصحيح معلومة بعد أخرى. فالمؤامرة ليست مجرد مجموعة ادعاءات؛ إنها قصة متماسكة تمنح أتباعها أبطالًا وأعداءً ومعنىً وشعورًا بأنهم «عرفوا الحقيقة». لذلك يرى المؤلفان أن مواجهتها تحتاج إلى قصة أفضل: رواية عامة تفسر الواقع دون أن تسقط في الخيال المرضي، وتمنح الناس معنى للفعل الجماعي بدل أن تتركهم أسرى الإحباط والسخرية.
هنا يصبح الكتاب فلسفيًا على نحو أعمق. فهو لا يدافع عن «السرد» ضد الحقيقة، بل عن السرد الذي يخدم الحقيقة. لا توجد حياة عامة بلا قصص كبرى: قصص عن العدالة، والعمل، والكرامة، والمواطنة، والمستقبل. المشكلة ليست في أن البشر يحتاجون إلى روايات، بل في أن الروايات الرديئة قد تحتل المجال كله حين تتخلى السياسة الجادة عن قدرتها على تفسير العالم.
يتوسع الكتاب كذلك في تحليل السخرية والتهريج السياسي. فزعيم الشعبوية لا ينجح رغم كونه مثيرًا للسخرية، بل قد ينجح أحيانًا بسبب ذلك. فالضحك عليه يمنح الناس شعورًا بأنهم أقوى منه، بينما قد يبقى هو قادرًا على تحويل الإهانة نفسها إلى وقود سياسي. يشبه المؤلفان هذا بما فعله فينس مكمان حين جعل شخصيته تتعرض للإذلال المتكرر في العروض، لكنه ظل في الواقع صاحب السلطة الفعلية. الجمهور يضحك عليه، لكنه لا يغير البنية التي تمنحه السيطرة.
ومن أقوى أقسام الكتاب تحليله للذكورة والمهانة في المصارعة والسياسة. فالمصارعة، رغم مبالغتها في عرض القوة البدنية والهيمنة، تقوم في الوقت نفسه على أداء منظم ومتفق عليه بين الرجال، وعلى تعاون دقيق بين المتصارعين. يلتقط المؤلفان هذا التناقض ليقولا إن الذكورة الاستعراضية ليست طبيعة بسيطة، بل أداء هش يحتاج إلى تكرار دائم وإثبات متواصل.
مع ذلك، لا يخلو الكتاب من نقاط يمكن مناقشتها. فهو شديد الحماسة لأطروحته، وأحيانًا يوسّع الصلة بين المصارعة والسلطوية إلى درجة تجعلها تبدو تفسيرًا جامعًا لكل شيء. ليست كل الشعبوية مصارعة، وليست كل سخرية سياسية نوعًا من «النيوكايْفيب». كما أن التركيز الكبير على ترامب وفينس مكمان قد يجعل القارئ يتساءل عن عناصر أخرى لا تقل أهمية: الاقتصاد، والانقسام الطبقي، وفشل المؤسسات، وتحوّل الإعلام الرقمي، والخوف من المستقبل.
لكن هذه الملاحظات لا تقلل من قيمة الكتاب. ففضيلته الأساسية أنه يقدّم مفهومًا يساعدنا على رؤية شيء أصبح مألوفًا أكثر من اللازم: أن السياسي قد يكذب أمام الجميع، وأن الجمهور قد يعرف ذلك، وأن هذا لا يضعف تأثيره بالضرورة. بل ربما يصبح الكذب نفسه جزءًا من طقوس الولاء، ما دام يعبر عن غضب الجمهور أو احتقاره للنخبة أو رغبته في رؤية خصم مهزوم.
كتاب Kayfabe Nation ليس عن المصارعة فقط، ولا عن ترامب وحده. إنه عن عالم باتت فيه الحقيقة مهددة لا لأن الناس يجهلونها تمامًا، بل لأنهم يعتادون فكرة أن الحقيقة نفسها ليست مهمة. والسؤال الذي يتركه الكتاب للقارئ ليس: هل السياسة اليوم مزيفة؟ بل: ماذا يحدث حين نعرف أنها مزيفة، ثم نقرر أن هذا لا يهم؟

