عندما تتحول البنى الاجتماعية بقيودها إلى ضرورات وكأنها قوانين فيزيائية
أيسر –– حين نقول إن شيئاً ما «ضروري»، فإننا نقصد عادة أنه لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه: كأن تكون القضايا الرياضية صحيحة في كل حال، أو أن يكون التناقض المنطقي مستحيلاً. لكن ماذا عن المجتمع؟ هل توجد حقائق اجتماعية لا تبدو مجرد عادات عابرة أو قرارات فردية، بل تعمل كأنها حدود ترسم ما يستطيع الناس فعله، وما يصعب عليهم فعله، وما يكاد يصبح مستحيلاً في حياتهم؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه الفيلسوف ثيودور د. لوك (Theodore D. Locke) في مقاله «تنويعات الضرورة الاجتماعية» (Varieties of Social Necessity)، المنشور عام 2026. وفكرته المركزية أن هناك نوعاً من الضرورة لا ينتمي إلى المنطق الخالص ولا إلى قوانين الطبيعة، بل إلى البنى الاجتماعية نفسها. فالمجتمع، عبر مؤسساته وعلاقاته الاقتصادية وتصنيفاته الثقافية وقواعد القوة فيه، لا يصف الواقع فقط، بل يحدد مجال الممكن داخله.
يمكن أن نبدأ بمثال قريب من الحياة. قد تكون امرأة متعلمة، كفؤة، راغبة في الاستمرار في عملها، وتعيش مع شريك يؤمن نظرياً بالمساواة. ومع ذلك، حين يأتي طفل إلى الأسرة، قد تجد نفسها هي التي تترك عملها أو تقلصه، بينما يواصل الشريك مساره المهني. لا لأن الأمر مكتوب في طبيعتها، ولا لأن قراراً فردياً واحداً فرض عليها ذلك، بل لأن المجتمع المحيط يجعل هذا المسار هو الأسهل والأقل كلفة: حضانات مرتفعة الثمن، فجوة في الأجور، عمل منزلي غير مدفوع، وتوقعات اجتماعية ترى الرعاية مسؤولية نسائية أولاً.
في مثل هذه الحالة، لا يكون الحديث عن «اختيار» الفرد كافياً. فالاختيار موجود، لكن الخيارات نفسها ليست متساوية في الواقع. هناك طريق مفتوح وممهد، وطريق آخر مليء بالعوائق. وهذا ما يسميه لوك بالضرورة الاجتماعية: مجموعة من القيود والتمكينـات التي تجعل بعض النتائج أكثر رسوخاً من غيرها داخل نظام اجتماعي بعينه.
يستعير الكاتب صورة بليغة تشبه المجتمع بالطريق الترابي الذي حفرت فيه عجلات العربات أخاديد عميقة. بعد فترة، لا يعود السير خارج تلك الأخاديد مستحيلاً تماماً، لكنه يصبح صعباً ومكلفاً. والعربات التالية تميل إلى اتباع المسار نفسه، لا لأن أحداً أجبرها كل مرة، بل لأن الطريق صار منظماً سلفاً بهذه الطريقة. كذلك تعمل البنى الاجتماعية: تكرار العادات والمؤسسات والعلاقات الاقتصادية يصنع مسارات تبدو طبيعية، رغم أنها نتاج تاريخ طويل من التنظيم والقوة.
يربط لوك هذا كله بفكرة مهمة يمكن تسميتها «الظلم في مجال الممكن». فالإنسان قد يتعرض للظلم لا بسبب ما يُفعل به فقط، بل بسبب ما يصبح غير متاح له أصلاً. قد لا يمنعه أحد صراحة من التعليم أو العمل أو المشاركة السياسية، لكن النظام الاجتماعي قد يجعل الوصول إلى هذه الأمور مرهقاً أو مكلفاً أو محفوفاً بالخسارة بدرجة لا يواجهها غيره.
والفرق هنا مهم بين ما هو مستحيل ميتافيزيقياً وما هو غير ممكن اجتماعياً. ليس مستحيلاً، من حيث العقل أو المنطق، أن يوجد مجتمع لا يجعل النساء في موقع أدنى، أو أن يوجد نظام اقتصادي لا يربط الفقر بانعدام الرعاية الصحية، أو أن تتوزع أعباء الأسرة والعمل بصورة أكثر عدلاً. لكن هذه البدائل قد لا تكون ممكنة اجتماعياً في ظروف معينة، لأن البنية القائمة تجعلها بعيدة أو معطلة أو شديدة الصعوبة.
هذا التمييز يمنعنا من الوقوع في خطأين متعاكسين. الخطأ الأول هو القول إن كل شيء ممكن بمجرد الإرادة الفردية، وإن الإنسان يستطيع دائماً أن يتجاوز موقعه الاجتماعي إن حاول بما يكفي. والخطأ الثاني هو اعتبار الظلم القائم قدراً أبدياً أو حقيقة لا يمكن تغييرها. لوك يرفض الاثنين معاً. فالبنى الاجتماعية تفرض قيوداً حقيقية، لكنها ليست قوانين أزلية؛ هي تاريخية، قابلة للتحول، ويمكن تغييرها إذا تغيرت المؤسسات والشروط التي تنتجها.
من هنا تأتي أهمية التفكير في الفقر، والطبقة، والجندر، والعرق، والعمل، والتعليم، لا بوصفها مجرد صفات أو هويات، بل بوصفها مواقع داخل شبكة من الإمكانات والقيود. فالفقر مثلاً ليس فقط نقصاً في المال. في مجتمع معين، قد يعني الفقر وصولاً غير مستقر إلى الرعاية الصحية، أو صعوبة في السكن الآمن، أو هشاشة في العمل، أو عجزاً عن الوصول إلى وسائل النقل والتعليم. هذه ليست نتائج منفصلة، بل حلقات في نظام واحد يجعل بعض الناس أكثر عرضة لمخاطر متكررة.
وفي هذا السياق، تصبح دراسة المجتمع محاولة لفهم ما الذي يجعل بعض النتائج تتكرر، حتى حين تختلف شخصيات الأفراد ونواياهم. لماذا يبقى بعض الناس محصورين في أعمال منخفضة الأجر؟ لماذا يجد آخرون صعوبة أكبر في الانتقال الاجتماعي؟ لماذا تتحول بعض الاختيارات، التي تبدو شخصية في ظاهرها، إلى نتائج متوقعة على مستوى جماعي؟ لا يكفي الجواب بأن الناس اتخذوا قراراتهم بأنفسهم. فالقرارات نفسها تُتخذ في فضاء سبق أن رتبته علاقات القوة والفرص.
يربط لوك هذا كله بفكرة مهمة يمكن تسميتها «الظلم في مجال الممكن». فالإنسان قد يتعرض للظلم لا بسبب ما يُفعل به فقط، بل بسبب ما يصبح غير متاح له أصلاً. قد لا يمنعه أحد صراحة من التعليم أو العمل أو المشاركة السياسية، لكن النظام الاجتماعي قد يجعل الوصول إلى هذه الأمور مرهقاً أو مكلفاً أو محفوفاً بالخسارة بدرجة لا يواجهها غيره.
وهنا يتغير معنى الإصلاح الاجتماعي. فالإصلاح ليس مجرد تحسين طفيف في الظروف، ولا مجرد مساعدة الأفراد على التكيف مع واقعهم. إنه أيضاً إعادة تشكيل ما يمكن أن يصبح ممكناً. حين تتوسع خدمات الرعاية، أو تقل فجوات الأجور، أو تتغير قوانين العمل، أو تتبدل التصورات الثقافية عن الأسرة والنجاح، فإن المجتمع لا يغير بعض التفاصيل فقط؛ بل يفتح مسارات جديدة لم تكن متاحة من قبل.
يبدو هذا التفكير مهماً خصوصاً في زمن يكثر فيه الحديث عن المسؤولية الفردية. صحيح أن الإنسان مسؤول عن أفعاله بقدر ما يملك من قدرة واختيار، لكن المسؤولية لا تلغي السؤال عن الشروط التي تحدد ما يستطيع اختياره. لا يمكن فهم الحرية من دون فهم البنية التي تتحرك داخلها الحرية.
فربما لا يكون السؤال الأهم هو: لماذا لم ينجح هذا الشخص؟ بل: ما الذي جعل النجاح متاحاً بسهولة لشخص، وشديد البعد عن شخص آخر؟ وربما لا يكون السؤال فقط: كيف نصلح الواقع؟ بل: كيف نجعل مستقبلاً مختلفاً قابلاً لأن يحدث فعلاً؟
هذا هو الدرس الأعمق في المقال: المجتمع لا يوزع الموارد والامتيازات فحسب، بل يوزع أيضاً حدود الممكن. ومن يريد عدالة أكثر، لا بد أن يسأل عن تلك الحدود، وعن القوى التي صنعتها، وعن الطرق التي يمكن بها توسيعها.

