New Recipe

New Recipe

الخيال وموضوعه: استعادة «الصور المعلّقة» عند السهروردي

أيسر –– نميل إلى التعامل مع الخيال كما لو كان منطقة فاصلة بين الحقيقة والوهم: نحتكم إلى الحواس حين نريد أن نعرف ما هو موجود، وإلى العقل حين نريد أن نفهم القوانين والأفكار، ثم نترك للخيال مهمة التسلية أو اختراع ما ليس موجودًا. لكن تجاربنا اليومية تقول شيئًا آخر. فحين نقرأ رواية، أو نشاهد فيلمًا، […]

النعمة ثم الغفلة: ماذا قال الفكر الإسلامي عن اعتياد السعادة؟

أيسر –– نحن نعرف هذه التجربة جيدًا، حتى إن لم نسمّها باسم. ننتظر أمرًا طويلًا: وظيفة، بيتًا، شفاءً، زواجًا، تحسنًا ماليًا، أو نجاحًا مهنيًا. وحين يتحقق، نفرح به فرحًا كبيرًا. لكن الفرح لا يبقى على صورته الأولى. بعد أسابيع أو أشهر، يصبح ما كان أمنية استثنائية جزءًا عاديًا من الحياة، ثم نعود إلى القلق والرغبات […]

لماذا لا تدوم السعادة حين يتحقق ما تمنيناه؟

أيسر –– حين يحصل الإنسان على ما ظلّ يسعى إليه طويلًا، يتوقع عادة أن يكون ذلك بداية سعادة مستقرة: وظيفة يحلم بها، زواج يتمناه، شفاء من مرض، بيت أوسع، أو تحسن مادي يخرجه من ضيق عرفه سنوات. لكن التجربة اليومية تقول شيئًا مختلفًا. نفرح، ثم نعتاد. يصبح ما كان حدثًا استثنائيًا جزءًا عاديًا من حياتنا، […]

New Recipe

New Recipe

الخيال وموضوعه: استعادة «الصور المعلّقة» عند السهروردي

أيسر –– نميل إلى التعامل مع الخيال كما لو كان منطقة فاصلة بين الحقيقة والوهم: نحتكم إلى الحواس حين نريد أن نعرف ما هو موجود، وإلى العقل حين نريد أن نفهم القوانين والأفكار، ثم نترك للخيال مهمة التسلية أو اختراع ما ليس موجودًا. لكن تجاربنا اليومية تقول شيئًا آخر. فحين نقرأ رواية، أو نشاهد فيلمًا، […]

النعمة ثم الغفلة: ماذا قال الفكر الإسلامي عن اعتياد السعادة؟

أيسر –– نحن نعرف هذه التجربة جيدًا، حتى إن لم نسمّها باسم. ننتظر أمرًا طويلًا: وظيفة، بيتًا، شفاءً، زواجًا، تحسنًا ماليًا، أو نجاحًا مهنيًا. وحين يتحقق، نفرح به فرحًا كبيرًا. لكن الفرح لا يبقى على صورته الأولى. بعد أسابيع أو أشهر، يصبح ما كان أمنية استثنائية جزءًا عاديًا من الحياة، ثم نعود إلى القلق والرغبات […]

لماذا لا تدوم السعادة حين يتحقق ما تمنيناه؟

أيسر –– حين يحصل الإنسان على ما ظلّ يسعى إليه طويلًا، يتوقع عادة أن يكون ذلك بداية سعادة مستقرة: وظيفة يحلم بها، زواج يتمناه، شفاء من مرض، بيت أوسع، أو تحسن مادي يخرجه من ضيق عرفه سنوات. لكن التجربة اليومية تقول شيئًا مختلفًا. نفرح، ثم نعتاد. يصبح ما كان حدثًا استثنائيًا جزءًا عاديًا من حياتنا، […]

الخيال وموضوعه: استعادة «الصور المعلّقة» عند السهروردي

أيسر –– نميل إلى التعامل مع الخيال كما لو كان منطقة فاصلة بين الحقيقة والوهم: نحتكم إلى الحواس حين نريد أن نعرف ما هو موجود، وإلى العقل حين نريد أن نفهم القوانين والأفكار، ثم نترك للخيال مهمة التسلية أو اختراع ما ليس موجودًا. لكن تجاربنا اليومية تقول شيئًا آخر. فحين نقرأ رواية، أو نشاهد فيلمًا، أو نحاول فهم ألم شخص آخر، أو نتساءل عما قد يترتب على قرار نتخذه، لا يكفي أن نرى الوقائع كما هي، ولا أن نعرف القواعد العامة وحدها. نحن نحتاج إلى القدرة على رؤية ما يمكن أن يكون: الاحتمالات التي تحيط بالواقع، والوجوه التي لم تظهر بعد، والمعاني التي لا تمنحها الأشياء للعين مباشرة.

هذا هو السؤال الذي يعالجه رضا حَديثي (Reza Hadisi) في مقاله «الخيال وموضوعه: استعادة الصور المعلّقة عند السهروردي» (Imagination and Its Object: Recovering Suhrawardī’s Suspended Images)، المنشور في مجلة Philosophers’ Imprint، المجلد 26، العدد 22، في مايو 2026. يقترح المقال قراءة حديثة لفكرة مركزية عند السهروردي: الخيال ليس مجرد بديل ضعيف عن الحس أو العقل، بل مصدر مستقل للمعرفة، لأن له موضوعًا خاصًا به لا تدركه الحواس ولا تستنفده المفاهيم العقلية العامة.

شهاب الدين يحيى السهروردي، المعروف بشيخ الإشراق، فيلسوف فارسي عاش في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، بين عامي 1154 و1191 تقريبًا. وُلد في سهرورد، وتلقى علوم المنطق والفلسفة والفقه، ثم تنقل بين مدن المشرق حتى استقر في حلب. هناك انتهت حياته شابًا في ظروف سياسية ودينية معقدة، لكن أثره الفكري استمر طويلًا. أسس السهروردي ما عُرف بـ«الحكمة الإشراقية»، وهي فلسفة تجعل من النور مفتاحًا لفهم الوجود والمعرفة، وتجمع بين الأفلاطونية والفلسفة الإسلامية السابقة والرموز الصوفية. وفي أعماله، ولا سيما حكمة الإشراق، لا يصبح النور مجرد استعارة شعرية، بل طريقة للتفكير فيما يجعل الأشياء ظاهرة وقابلة للمعرفة.

ينطلق المقال من اعتراض على الفكرة الحديثة الشائعة التي ترى الخيال وظيفة ثانوية. نحن نتخيل، عادة، حين لا نملك إدراكًا مباشرًا للشيء أو برهانًا دقيقًا عليه. قد تتخيل ما يفعله ابنك في المدرسة لأنك لا تراه، أو تستعين بصورة ذهنية لتفهم مسألة هندسية قبل أن تحلها. في هذه الحالات يبدو الخيال أداة مؤقتة، مفيدة لكنها قابلة للاستبدال. أما السهروردي، كما يقدمه حَديثي، فيقول إن هناك معرفة لا يمكن أن يبلغها الإنسان حتى لو كان متعلمًا مثاليًا إلا بالخيال.

قيمة المقال أنه يعيد السهروردي إلى دائرة نقاشات حديثة جدًا. ففكرة الصور المعلّقة تفتح أسئلة عن الأدب والسينما، لكنها تفتح أيضًا أسئلة عن التعاطف والذاكرة والتعليم. هل يمكن أن نفهم الآخرين من غير أن نتخيل العالم من داخل تجاربهم؟ هل يستطيع المعلم أن يربي من غير أن يتخيل إمكانات الطالب قبل أن تتحقق؟ وهل يمكن للسياسة العادلة أن تقوم على أرقام وقوانين فقط، من دون قدرة على تصور حياة الناس كما قد تكون؟

لفهم ذلك، يميز السهروردي بين ثلاثة مستويات. هناك الأفكار أو الصور الكلية، مثل العدالة والإنسانية، وهذه يدركها العقل بوصفها أنماطًا عامة. وهناك الأشياء الحسية الجزئية، مثل هذا الحصان أو هذا البيت أو هذا الوجه، وهذه تدركها الحواس. لكن بينهما يوجد مستوى ثالث سماه السهروردي «الصور المعلّقة». وهي ليست أفكارًا عامة ثابتة، وليست أجسامًا مادية موجودة أمامنا، بل صور غنية ومتحركة تتصل بإمكانات الأشياء وبما يمكن أن تصير إليه في علاقاتها المختلفة.

قد يبدو اسم «الصور المعلّقة» غامضًا، لكن المثال الذي يستعيده المقال من السهروردي يساعد على فهمه: المرآة. حين تنظر إلى نفسك في مرآة، فأنت لا ترى جسدك كما هو بالفعل. الصورة معكوسة ومسطحة، ولا تنقل الرائحة أو الحرارة أو العمق أو الحركة الكاملة. ومع ذلك، لا تتعامل معها بوصفها مجرد سطح من الضوء، بل بوصفها نافذة على ذاتك. فالمرآة لا تحتوي صورتك بالمعنى الحرفي، وإنما تتيح لك الوصول إليها عبر شكل ناقص ومحدود.

هذا هو دور الصورة الحسية أو الذهنية عند السهروردي. ليست هي موضوع الخيال الحقيقي، بل موضع ظهوره. حين نشاهد فيلمًا، لا نرى مجرد ألوان تتحرك على شاشة. ندخل عالمًا متكاملًا: نتصور ما يوجد خارج إطار الصورة، وما الذي قد تقوله الشخصيات بعد نهاية المشهد، وكيف تبدو الغرفة من زاوية أخرى، وما الذي يشعر به شخص لا يتكلم. الشاشة هنا بوابة، لا العالم نفسه. وكذلك الرواية: الكلمات لا تكون مدينة ولا بيتًا ولا وجهًا، لكنها تفتح طريقًا إلى عالم من العلاقات والصور والإمكانات.

ولهذا لا يكون الخيال، في هذا التصور، اختراعًا اعتباطيًا. الروائي الذي يشعر بأن مشهدًا كتبه «ليس هو» المشهد الذي كان يريد الوصول إليه، لا يواجه نقصًا في الكلمات فقط، بل يواجه فشلًا في الإمساك بالصورة المناسبة. والقارئ الذي يسيء فهم شخصية روائية قد لا يخطئ في تذكر التفاصيل، لكنه قد يفشل في رؤية شبكة العلاقات والإمكانات التي تمنح الشخصية معناها. فالخيال يمكن أن يصيب أو يخطئ، لأنه لا يعمل في فراغ.

لكن هذا لا يعني أن تخيل فيل يقود سيارة يثبت أن الفيلة تقود السيارات في الواقع. المقصود أن الخيال يفتح عالمًا ممكنًا له نظامه وعلاقاته الداخلية. يمكن أن نتخيل فيلًا يقود سيارة، ثم نسأل: ما طبيعة العالم الذي يصبح هذا المشهد ممكنًا فيه؟ هل الفيل يتكلم؟ هل السيارة مصممة له؟ هل يعيش البشر والحيوانات في نظام مختلف؟ الخيال هنا لا يقدم خبرًا عن الواقع، بل يكشف البنية الممكنة لواقع آخر.

ويذهب المقال خطوة أبعد حين يربط هذه النظرية بالأخلاق. فمعرفة العدالة كفكرة عامة لا تكفي لأن نعرف ما هو العادل في كل موقف. قد نعرف أن الإنصاف فضيلة، وأن الرحمة مطلوبة، وأن الصداقة قيمة، لكننا نحتاج إلى خيال كي نفهم كيف تعمل هذه المبادئ في علاقة معينة، ومع شخص معين، وفي ظرف لا يشبه غيره. ما الذي يعنيه العدل حين تكون لدى كل طرف قصة مختلفة؟ كيف يكون التعاطف من غير أن يتحول إلى شفقة؟ ومتى تكون الصراحة فضيلة ومتى تصبح قسوة؟

هنا يصبح الخيال قدرة أخلاقية. فهو الذي يسمح لنا أن نرى الوضع من أكثر من زاوية، وأن نتوقع أثر كلامنا أو قرارنا، وأن نميز بين تطبيق قاعدة بصورة آلية وبين تحقيق معناها الحقيقي. قد تخبرك القاعدة بأن الناس متساوون، لكن الخيال هو ما يساعدك على رؤية الفروق الواقعية في ظروفهم واحتياجاتهم وما قد يترتب على معاملتهم بالطريقة نفسها.

ومن هذه الزاوية، يقرأ المقال رمزية «العقل الأحمر» في إحدى قصص السهروردي. فالأبيض يرمز إلى النور الخالص، والأسود إلى العالم المادي المتغير، أما الأحمر فهو النور حين يختلط بالظلام. الحكمة العملية ليست نورًا مجردًا منفصلًا عن الواقع، وليست استسلامًا لتفاصيل الواقع بلا مبدأ، بل هي معرفة تعيش بينهما: تسترشد بالقيم العامة، لكنها تستطيع أن تتعامل مع المواقف الجزئية المتغيرة.

قيمة المقال أنه يعيد السهروردي إلى دائرة نقاشات حديثة جدًا. ففكرة الصور المعلّقة تفتح أسئلة عن الأدب والسينما، لكنها تفتح أيضًا أسئلة عن التعاطف والذاكرة والتعليم. هل يمكن أن نفهم الآخرين من غير أن نتخيل العالم من داخل تجاربهم؟ هل يستطيع المعلم أن يربي من غير أن يتخيل إمكانات الطالب قبل أن تتحقق؟ وهل يمكن للسياسة العادلة أن تقوم على أرقام وقوانين فقط، من دون قدرة على تصور حياة الناس كما قد تكون؟

لا يطلب منا هذا التصور أن نصدق، حرفيًا، كل بناء السهروردي الكوني عن العوالم والأنوار. لكن يمكن أن نأخذ منه حدسًا قويًا: الواقع لا ينحصر فيما تراه العين، ولا فيما تمسكه القاعدة العامة. هناك أيضًا إمكانات، وعلاقات، وصور لم تكتمل بعد. وفي هذا المجال لا يكون الخيال ترفًا أو هروبًا من الحقيقة، بل طريقة لرؤية طبقة أخرى منها.

ولعل السؤال الذي يبقى معنا هو: هل الإنسان العاقل هو فقط من يرى الأشياء كما هي؟ أم أن العقل يكتمل حين يستطيع أن يرى، أيضًا، ما يمكن أن تصير إليه؟

الأكثر شيوعاً

الزمن في الفلسفة الإسلامية: من الأزل إلى القيامة
الغضب النبيل: هل يمكن للانفعال أن يخدم العدالة دون أن يقودنا إلى التهور؟
هل الخيال طريقة لمعرفة ما لا نعرفه؟

مقالات ذات صلة

النعمة
النعمة ثم الغفلة: ماذا قال الفكر الإسلامي عن اعتياد السعادة؟
fittingness
لماذا لا تدوم السعادة حين يتحقق ما تمنيناه؟
proof and research
هل يتقدم العلم لأننا نثبت أننا على حق، أم لأننا نكتشف مواضع خطئنا؟

عن المنصة

تواصل معنا

منصة رقمية تُعنى بتقريب الفلسفة وتبسيط أفكارها لكل قارئ.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة أيسر ©  2026

اشترك في النشرة الإخبارية 
لتصلك أحدث الاخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني