أيسر –– لم يكن جون شتاينبك (John Steinbeck) فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي، ولم يكتب نسقًا فلسفيًا متكاملًا في العدالة أو الاقتصاد أو الأخلاق. لكنه فعل في الرواية ما يفعله الفيلسوف حين يسأل: ماذا يبقى من كرامة الإنسان عندما يفقد الأرض والعمل والبيت؟ ومتى يتحول الفقر من مأساة شخصية إلى مشكلة في بنية المجتمع نفسه؟ وهل يستطيع الإنسان الضعيف أن يواجه منظومة أقوى منه إلا بالتضامن مع آخرين يشبهونه؟
هذه الأسئلة تبلغ ذروتها في أشهر رواياته، «عناقيد الغضب»، التي صدرت عام 1939، في قلب آثار الكساد الكبير وهجرة آلاف العائلات الزراعية من مناطق السهول الأميركية إلى كاليفورنيا بحثًا عن العمل. وقد أصبحت الرواية واحدة من أبرز روايات الاحتجاج الاجتماعي في القرن العشرين، وفازت بجائزة بوليتزر عام 1940؛ ثم نال شتاينبك جائزة نوبل للآداب عام 1962.
في العالم الحديث تغيرت أسماء الأشياء. قد لا يكون العامل اليوم مهاجرًا يبحث عن قطف القطن أو الفاكهة، بل سائق توصيل، أو عاملًا مؤقتًا، أو موظفًا في اقتصاد المنصات، أو مهاجرًا يعمل بلا ضمان اجتماعي.
لكن المشكلة الفلسفية باقية: ماذا يحدث حين تكون لدى أحد طرفي العلاقة الاقتصادية قدرة هائلة على الاستبدال والاختيار، بينما لا يملك الطرف الآخر إلا حاجته إلى الأجر؟
من قصة عائلة إلى صورة مجتمع
تتابع الرواية عائلة جود، وهي أسرة مزارعة من أوكلاهوما تفقد أرضها بعد سلسلة من الكوارث الاقتصادية والبيئية. لا يهزمها شخص شرير بعينه، بل شيء أكثر تعقيدًا: الديون، والمصارف، والميكنة الزراعية، وانخفاض الأسعار، وتحول الأرض من موطن تعيش عليه الأسرة إلى أصل اقتصادي يُدار بمنطق الربح.
وهنا تظهر إحدى أكثر أفكار شتاينبك قوة: الظلم الحديث قد لا يكون له وجه.
يمكن للإنسان أن يثور على مالك الأرض الذي يطرده، لكنه ماذا يفعل حين يُقال له إن «البنك» هو الذي اتخذ القرار؟ ومن هو البنك؟ لا أحد بعينه، وفي الوقت نفسه شبكة كاملة من المصالح والقواعد والمؤسسات.
وهكذا ينتقل سؤال الرواية من «من ظلم هذه العائلة؟» إلى سؤال أكبر: هل يمكن أن ينتج نظام اقتصادي الظلم حتى من دون أن يكون جميع الأفراد العاملين فيه أشرارًا؟
الفقر ليس نقصًا في المال فقط
في عالم شتاينبك، الفقر أكثر من الجوع. إنه تهديد لمكانة الإنسان وصورته عن نفسه.
الرجل الذي كان يزرع أرضه يصبح عاملًا موسميًا ينتظر أن يختاره صاحب عمل مقابل أجر زهيد. الأسرة التي كانت تمتلك بيتًا تجد نفسها تنام في مخيم. ومن كان يعيش داخل مجتمع يعرفه ويتعامل معه بوصفه شخصًا له اسم وتاريخ، يصبح فجأة واحدًا من آلاف المهاجرين الفقراء.
وهنا تكمن مأساة الفقر: حين يفقد الإنسان قدرته على تقرير أين يعيش، وكيف يعمل، وما الذي سيأكله أطفاله، يبدأ الفقر في التحول من حالة مادية إلى شكل من أشكال انتزاع السلطة عن الإنسان.
لكن شتاينبك يرفض أن يجعل الفقير مخلوقًا منكسرًا بالضرورة. ففي أشد لحظات الحرمان، تبقى إمكانية الكرامة قائمة: في المشاركة، وفي رفض الإذلال، وفي الدفاع عن الأسرة، وفي مساعدة إنسان آخر لا يملك شيئًا.
هل الفقر نتيجة فشل الفرد؟
تكمن أهمية «عناقيد الغضب» في أنها تواجه تصورًا ظل حاضرًا بقوة في الثقافة الأميركية: أن نجاح الفرد أو فشله نتيجة جهده الشخصي أساسًا.
عائلة جود تعمل. أفرادها مستعدون للعمل ساعات طويلة. وهم ليسوا كسالى ولا عاجزين. ومع ذلك يسقطون في الفقر.
وهذا يغير السؤال الأخلاقي كله.
فإذا كان الإنسان فقيرًا رغم استعداده للعمل، فعلينا ألا نسأل فقط: لماذا لم ينجح؟ بل: ما نوع النظام الذي يجعل العمل نفسه غير كافٍ للحياة؟
يصف شتاينبك عالمًا يؤدي فيه فائض العمال إلى خفض الأجور، ويتنافس الجائعون على فرص قليلة، بينما يستطيع من يملك رأس المال التحكم في شروط العمل. ومن هنا تصبح البطالة والجوع عنده مسألتين تتصلان بعلاقات القوة، لا بمجرد أخلاق الأفراد.
ولهذا أثارت الرواية منذ صدورها جدلًا سياسيًا حادًا، واتهم شتاينبك بالترويج لأفكار يسارية أو شيوعية بسبب تصويره القاسي لبعض جوانب الرأسمالية وتعاطفه الواضح مع العمال والمهاجرين. لكنه لم يكن شيوعيًا، وكان معاديًا كذلك للقمع السوفييتي ولإخضاع الفرد للدولة؛ ولذلك يصعب اختزاله في أيديولوجيا سياسية جاهزة.
التضامن: من «أنا» إلى «نحن»
أهم تحول فكري في «عناقيد الغضب» يحدث عندما يكتشف أبطالها أن مشكلتهم ليست مشكلتهم وحدهم.
في البداية تريد الأسرة النجاة بنفسها: الوصول إلى كاليفورنيا، العثور على عمل، إطعام الأطفال. لكن الطريق يكشف لها آلاف العائلات التي تعيش التجربة ذاتها.
وهنا يولد «نحن».
هذه النقلة أساسية عند شتاينبك. فالإنسان المنعزل ضعيف أمام مؤسسة أو شركة أو سوق ضخمة، أما حين يدرك أن معاناته جزء من معاناة جماعية، يصبح التضامن نفسه قوة.
ولهذا يحتل تنظيم العمال مكانًا مهمًا في الرواية. ليست الفكرة أن الجماعة أفضل دائمًا من الفرد، بل أن اختلال القوة يصبح هائلًا عندما يفاوض الفرد المحتاج مؤسسة تستطيع بسهولة الاستغناء عنه.
الفقر، بهذا المعنى، يفرّق الناس أولًا: يجعل العامل يتنافس مع العامل على الأجر الأقل. أما الوعي بالمصلحة المشتركة فيعيد جمعهم.
ما جود: أخلاق البقاء
ومن أجمل شخصيات شتاينبك وأكثرها دلالة «ما جود»، الأم التي تتحول بالتدريج إلى مركز الأسرة الأخلاقي.
قوتها ليست قوة جسدية ولا سلطة رسمية. إنها القدرة على إبقاء الجماعة متماسكة حين تتهاوى الأشياء من حولها.
وشخصيتها تقترح مفهومًا للبطولة مختلفًا تمامًا عن البطولة التقليدية. البطل هنا ليس من ينتصر على عدو، وإنما من يمنع الخوف والجوع والذل من تفكيك الروابط بين البشر.
عند شتاينبك، إعداد الطعام القليل للجميع قد يصبح فعلًا أخلاقيًا. مشاركة ما يكاد لا يكفي قد تصبح تحديًا لمنطق الندرة. والاستمرار في رعاية الآخرين حين لا يستطيع الإنسان ضمان مصيره الشخصي يصبح صورة من صور المقاومة.
توم جود: ولادة الوعي الاجتماعي
أما توم جود، فيبدأ الرواية منشغلًا بحياته ومصير أسرته، لكنه يتغير مع التجربة.
يدرك شيئًا فشيئًا أن المشكلة لا تُحل بإنقاذ عائلة واحدة. فإذا وجد هو عملًا، سيبقى آلاف آخرون بلا عمل. وإذا قَبِل أجرًا منخفضًا كي يطعم أسرته اليوم، فإنه قد يسهم في خفض أجور الجميع غدًا.
ومن هنا تتحول العدالة لديه من شعور أخلاقي إلى إدراك للعلاقات التي تربط البشر بعضهم ببعض.
إنها الفكرة التي تكاد تلخص فلسفة الرواية: الإنسان لا ينجو وحده.
العدالة ليست صدقة
شتاينبك متعاطف مع الرحمة الفردية، لكنه يميز ضمنيًا بين الرحمة والعدالة.
إعطاء الطعام لجائع عمل رحيم. أما السؤال عن سبب وجود آلاف الجائعين في منطقة تنتج كميات ضخمة من الغذاء فهو سؤال عدالة.
وهذا الفارق مهم للغاية.
الصدقة تتعامل مع النتيجة، أما العدالة فتسأل عن النظام الذي أنتجها.
ومن أكثر مفارقات عالم «عناقيد الغضب» قسوة أن الغذاء قد يوجد بكثرة، ومع ذلك يجوع الناس لأن توزيعه تحكمه الأسعار والملكية والربح. عند هذه النقطة، لا يعود الجوع قدرًا طبيعيًا، بل يصبح ظاهرة اجتماعية يمكن مساءلة أسبابها.
هل كان شتاينبك ضد الرأسمالية؟
ليس بهذه البساطة.
من السهل قراءة «عناقيد الغضب» بوصفها إدانة للرأسمالية، لكنها في الحقيقة أكثر تعقيدًا. شتاينبك لا يقدم برنامجًا اقتصاديًا بديلًا، ولا يحول شخصياته إلى دعاة لعقيدة سياسية.
اهتمامه الأساسي بالإنسان.
كان مرتابًا من تمركز القوة أينما وجد: في الشركات، وفي الثروة، وفي المؤسسات، لكنه كان كذلك حساسًا تجاه القمع الذي تمارسه الدولة والأنظمة الشمولية. وتشير الدراسات المتعلقة به إلى أن اهتمامه ظل منصبًا على المهمشين وعلى معنى «الصالح العام» في المجتمع الأميركي.
وهذا ما يجعل موقفه أوسع من الصراع التقليدي بين الرأسمالية والاشتراكية. السؤال الحقيقي لديه هو: عندما تعمل المؤسسات كما صُممت، هل تحفظ للإنسان كرامته أم تحوله إلى مجرد تكلفة؟
لماذا ما زالت «عناقيد الغضب» حية؟
لأن السؤال الذي طرحتْه لم يختف.
في العالم الحديث تغيرت أسماء الأشياء. قد لا يكون العامل اليوم مهاجرًا يبحث عن قطف القطن أو الفاكهة، بل سائق توصيل، أو عاملًا مؤقتًا، أو موظفًا في اقتصاد المنصات، أو مهاجرًا يعمل بلا ضمان اجتماعي.
لكن المشكلة الفلسفية باقية: ماذا يحدث حين تكون لدى أحد طرفي العلاقة الاقتصادية قدرة هائلة على الاستبدال والاختيار، بينما لا يملك الطرف الآخر إلا حاجته إلى الأجر؟
لهذا لا تزال رواية شتاينبك قابلة للقراءة ليس بوصفها وثيقة عن أميركا الثلاثينيات، بل بوصفها سؤالًا دائمًا عن العلاقة بين السوق والكرامة.
الإنسان أكبر من السعر
ربما تكون أهم فكرة تركها شتاينبك أن المجتمع يبدأ بالانهيار أخلاقيًا عندما يصبح سعر الإنسان أهم من قيمة الإنسان.
السوق يستطيع أن يحدد سعر ساعة العمل. لكنه لا يستطيع أن يحدد قيمة العامل بوصفه إنسانًا.
والاقتصاد يستطيع حساب تكلفة إيواء أسرة أو إطعام طفل، لكنه لا يستطيع بمفرده الإجابة عن السؤال: ما الذي يستحقه الإنسان لمجرد كونه إنسانًا؟
هنا تلتقي الكرامة بالعدالة والتضامن في أدب شتاينبك.
فالكرامة تقول إن الإنسان ليس سلعة.
والعدالة تسأل لماذا يستطيع بعض البشر التحكم في شروط حياة آخرين إلى هذا الحد.
أما التضامن فيبدأ عندما يفهم الذين يعانون أن ضعف كل واحد منهم منفردًا لا يعني أنهم ضعفاء معًا.
ولهذا بقيت «عناقيد الغضب» أكثر من رواية عن الفقر. إنها رواية عن اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن معاناته الشخصية قد تكون جزءًا من نظام أكبر منه؛ وأن أول خطوة للخروج من العجز تبدأ أحيانًا حين يتغير الضمير من «أنا» إلى «نحن».

