أيسر –– لم تعد ويكيبيديا مجرد موسوعة مفتوحة يعود إليها الناس بحثًا عن معلومة. لقد أصبحت، من دون أن يتغير اسمها أو شعارها، بنية تحتية معرفية تعتمد عليها محركات البحث، ومستودعًا للبيانات يدرّب الباحثون به نماذجهم، ومصدرًا رئيسيًا تتغذى عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي. والمفارقة أن هذه الأنظمة بدأت الآن تقدم إجاباتها مباشرة إلى المستخدم، فتقلل حاجته إلى زيارة الموسوعة التي استمدت منها جانبًا كبيرًا من معرفتها.
هذه المفارقة هي نقطة الانطلاق في ورقة الباحث ستيف يانكوفسكي، الأستاذ المساعد في تاريخ الوسائط الجديدة بجامعة أمستردام، وعنوانها: «منهجيات البحث في ويكيميديا: تاريخ ببليومتري للإنتاج التشاركي والذكاء الاصطناعي بين عامي 2005 و2025». نُشرت الورقة في مجلة الذكاء الاصطناعي والمجتمع (AI & Society) في 11 أيلول 2026، وهي متاحة بنظام الوصول المفتوح.
يحمل العنوان الأصلي للورقة اسم Wikimedia Research Methodologies: A Bibliometric History of Peer Production and AI (2005–2025). غير أن موضوعها الحقيقي أوسع من تاريخ البحوث المتعلقة بويكيبيديا؛ فهي تسأل، ضمنًا، كيف يمكن للطريقة التي ندرس بها مؤسسة معرفية أن تغيّر معنى هذه المؤسسة ووظيفتها، بل أن تساعد في تحويلها من مشاع عام إلى مورد اقتصادي وتقني.
من الموسوعة إلى مختبر عالمي
منذ أن أتاحت ويكيبيديا قاعدة بياناتها للتنزيل في عام 2002، أصبحت مادة مثالية للباحثين. فالمحتوى ضخم، ومتاح مجانًا، ويمكن تتبع تعديلاته ومناقشاته وصراعات محرريه. وبحلول عام 2019، كان قد نُشر أكثر من ستة آلاف بحث عنها، حتى وصفها باحثون بأنها واحد من أهم المختبرات في تاريخ البحوث الاجتماعية والحاسوبية.
لكن كثيرًا من هذه الدراسات لم يكن معنيًا بويكيبيديا في ذاتها. كان الباحثون يستخدمونها لدراسة ظواهر أخرى: التعاون بين البشر، وسلوك الجماعات، وانتشار المعلومات، وبنية الروابط، والتعلم الآلي، ومعالجة اللغة، وبناء قواعد المعرفة. كانت الموسوعة، في هذا السياق، أشبه بمجتمع حي جرى تحويله إلى مختبر مفتوح.
تكمن أهمية ملاحظة يانكوفسكي في أن ويكيبيديا لم تعد تُرى بالطريقة نفسها في مختلف الحقول العلمية. فالباحث في العلوم الإنسانية قد يراها مجتمعًا له قيمه وصراعاته وتاريخه، في حين يراها عالم الحاسوب مجموعة ضخمة من النصوص والروابط والأنماط القابلة للاستخراج والقياس. كلا المنظورين مشروع، لكن سيطرة أحدهما قد تحجب ما يراه الآخر.
أربع موجات غيّرت معنى ويكيبيديا
حلل يانكوفسكي 524 دراسة عثر عليها أساسًا عبر الباحث العلمي من غوغل (Google Scholar)، ثم اختار عينة قصدية من سبعين عملًا كثير الاستشهاد بها، وقسمها إلى سبعة موضوعات رئيسية. ومن خلال مسارات الاستشهاد بهذه الأعمال، رسم أربع موجات مر بها البحث في مشروعات ويكيميديا.
ظهرت الموجة الأولى بين عامي 2005 و2007، عندما كان الباحثون يحاولون إثبات أن ويكيبيديا ظاهرة جديرة بالدراسة، وأن الإنتاج التشاركي يستطيع توليد معرفة نافعة خارج المؤسسات التقليدية. كانت الموسوعة في تلك المرحلة رمزًا للتفاؤل بالإنترنت: أناس لا يعرف بعضهم بعضًا يتعاونون طوعًا على بناء مستودع معرفي متاح للجميع.
وبدأت الموجة الثانية نحو عام 2007، وتمحورت حول الملكية والمشاع الرقمي. ظهرت آنذاك مفاهيم مثل «الإنتاج التشاركي القائم على المشاع» و«الإبداع الجماعي» و«المشاع الإبداعي». لم تكن ويكيبيديا مجرد موقع ناجح، بل بدت نموذجًا لإمكان إنتاج قيمة اجتماعية خارج منطق الشركة والسوق والملكية الحصرية.
أما الموجة الثالثة، التي تبلورت بعد عام 2011، فقد أخذت اتجاهًا مختلفًا. بدأ الاهتمام ينتقل من تمكين المجتمع الذي ينتج المعرفة إلى استخراج البنية الدلالية من إنتاجه. ساهم إطلاق ويكي بيانات (Wikidata) عام 2012 في هذا التحول؛ إذ أمكن تحويل محتوى الموسوعة إلى «رسوم بيانية معرفية» تستطيع البرمجيات قراءتها وربطها واستخدامها.
وجاءت الموجة الرابعة مع تصاعد أزمات التضليل والاستقطاب والدعاية عبر المنصات الرقمية. عاد الباحثون إلى أسئلة السلطة والموثوقية والتحيز والحوكمة، لكن بعد أن أصبحت ويكيبيديا جزءًا من منظومة أكبر تسيطر عليها المنصات ومحركات البحث وشركات الذكاء الاصطناعي.
تضعنا الورقة أمام سؤال يتجاوز ويكيبيديا: ما مصير المشاعات الرقمية عندما تمتلك الشركات قدرة لا يمتلكها الجمهور على استخراج قيمتها؟ فالمعرفة قد تكون متاحة للجميع نظريًا، لكنها لا تمنح الجميع القوة نفسها. وفي عالم الذكاء الاصطناعي، لم تعد ملكية المادة وحدها هي الحاسمة؛ الأهم هو امتلاك القدرة الحاسوبية التي تحوّلها إلى نموذج ومنتج وسلطة.
حين تتحول المعرفة إلى مادة خام
أكثر استنتاجات الورقة إثارة هو أن البحوث الممولة من الصناعة ساعدت على تعميم تصور ويكيبيديا بوصفها «موردًا دلاليًا قابلًا للتعدين». وبدل النظر إلى المقالة باعتبارها نتيجة مفاوضات بين محررين، وتطبيقًا لقواعد التوثيق والحياد، وتعبيرًا عن تاريخ اجتماعي وثقافي، أصبح من السهل النظر إليها باعتبارها نصًا جاهزًا للاستخراج والتصنيف والتدريب.
لا يقول يانكوفسكي إن الباحثين أو الشركات وضعوا خطة سرية للاستيلاء على ويكيبيديا. حجته أدق من ذلك: اللغة العلمية والمنهج المستخدم يحددان ما يظهر من الموضوع وما يختفي. عندما يُنظر إلى ويكيبيديا كمجموعة بيانات، يصبح من الطبيعي استخدام محتواها لتطوير أدوات تجارية؛ أما المجتمع الذي أنشأ البيانات، والسياق الذي منحها معناها، والعمل التطوعي الذي حافظ عليها، فتتراجع جميعها إلى خلفية الصورة.
هنا ينتقل الموضوع من فلسفة التقنية إلى الاقتصاد السياسي للمعرفة. فملايين الأشخاص كتبوا وعدّلوا وراجعوا المحتوى من دون أجر، انطلاقًا من فكرة إتاحة المعرفة للبشر. ثم استخدمت شركات تملك رؤوس أموال هائلة هذا المحتوى في تدريب منتجات مغلقة أو تجارية. بقيت المعرفة مفتوحة قانونيًا، لكن القيمة الاقتصادية المستخرجة منها تركزت في مؤسسات خاصة.
إن الإتاحة لا تعني، إذن، المساواة في القدرة على الانتفاع. يستطيع الفرد قراءة ويكيبيديا مجانًا، لكن الشركة تستطيع تنزيل محتواها، ودمجه مع مليارات النصوص، وبناء نموذج تجاري تبلغ قيمته مليارات الدولارات. المادة واحدة، غير أن القوة التقنية والمالية تحدد من يستطيع تحويلها إلى سلطة وربح.
الآلة التي تلتهم المصدر
تكتسب المسألة طابعًا مأساويًا دائريًا. فقد تعلمت نماذج اللغة من محتوى ويكيبيديا، ثم بدأت تقدم للمستخدم إجابات جاهزة تغنيه عن زيارة صفحاتها. وإذا انخفض عدد الزوار، فقد يقل عدد المحررين والمتبرعين والمصححين الذين يحافظون على الموسوعة. وفي الوقت نفسه، يزداد ما يصل إليها من نصوص أنشأها الذكاء الاصطناعي، بما يحمله ذلك من أخطاء وتكرار ومعلومات مختلقة.
هكذا قد يضعف الأصل الذي تعتمد عليه الآلة. فالذكاء الاصطناعي لا ينتج المعرفة من فراغ؛ إنه يحتاج إلى نصوص بشرية موثقة ومتنوعة ومتجددة. وإذا أضعفت أنظمته المؤسسات التي تنتج تلك النصوص، أصبح شبيهًا بمن يستهلك رأس المال المعرفي المتراكم من دون أن يضمن تجديده.
غير أن الورقة لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي حتمًا إلى زوال ويكيبيديا. إنها تكشف مسارًا تاريخيًا وفكريًا جعل هذا الخطر ممكنًا، وتبيّن أن العلاقة بين الموسوعة والبحث العلمي علاقة انعكاسية: الباحثون لا يكتفون بوصف ويكيبيديا، بل تساعد مفاهيمهم وأدواتهم في إعادة تشكيل وظيفتها الاجتماعية.
قوة الورقة وحدودها
تجمع الدراسة بين تحليل الاستشهادات والقراءة الموضوعية التأملية. وهذه نقطة قوة؛ لأنها تطبق عمليًا دعوتها إلى الجمع بين الأرقام والسياق. كما أن صاحبها نشر بيانات العينة المستخدمة، ما يتيح مراجعة اختياراته وتحليله.
لكن النتائج تستدعي بعض التحفظ. فالاعتماد على أكثر الدراسات استشهادًا يجعل الورقة تاريخًا للأعمال الأكثر تأثيرًا، لا مسحًا شاملًا لكل ما كُتب. كما أن يانكوفسكي اختار سبعين دراسة فقط من أصل 524، واعتمد في تصنيفها على قراءته وتأويله، لا على ترميز قام به عدة باحثين مستقلين. وهو يقر أيضًا بأن أعداد الاستشهادات في الباحث العلمي من غوغل لم تكن متسقة دائمًا.
والأهم أن تزامن صعود البحوث الممولة صناعيًا مع شيوع تصور ويكيبيديا كمورد دلالي لا يثبت وحده أن التمويل الصناعي هو الذي سبب التحول. كما لا يعني استخدام المحتوى المفتوح لتطوير الذكاء الاصطناعي، في ذاته، سرقة قانونية؛ فتراخيص ويكيبيديا تسمح بإعادة الاستخدام ضمن شروط معينة. القضية التي تثيرها الورقة أخلاقية وسياسية أكثر منها قانونية: هل يكفي احترام الترخيص إذا كانت المنفعة موزعة بصورة شديدة الاختلال؟
من يملك ثمرة العمل الجماعي؟
تضعنا الورقة أمام سؤال يتجاوز ويكيبيديا: ما مصير المشاعات الرقمية عندما تمتلك الشركات قدرة لا يمتلكها الجمهور على استخراج قيمتها؟ فالمعرفة قد تكون متاحة للجميع نظريًا، لكنها لا تمنح الجميع القوة نفسها. وفي عالم الذكاء الاصطناعي، لم تعد ملكية المادة وحدها هي الحاسمة؛ الأهم هو امتلاك القدرة الحاسوبية التي تحوّلها إلى نموذج ومنتج وسلطة.
لا يدعو يانكوفسكي إلى منع البحوث الحاسوبية أو إغلاق بيانات ويكيبيديا. بل يقترح وصل الحقول المنفصلة بعضها ببعض، بحيث يقرأ مهندس الذكاء الاصطناعي دراسات المشاع والملكية والسلطة، ويستفيد الباحث الإنساني من المناهج الكمية من دون أن يسلم لها بتفسير الواقع كله. فالأرقام تستطيع أن تكشف أنماطًا واسعة، لكنها لا تخبرنا وحدها ما إذا كان هذا التحول جيدًا، ولمن كان جيدًا، ومن دفع ثمنه.
تبدأ ويكيبيديا من فكرة نبيلة: أن يهب البشر معرفتهم للبشر. أما السؤال الذي تفرضه مرحلة الذكاء الاصطناعي فهو: ماذا يحدث عندما تتحول هذه الهبة العامة إلى مادة خام لمنتجات لا يملكها الذين صنعوا المعرفة، وقد تصبح منافسًا للمصدر الذي أخذت منه؟ عند هذه النقطة، لا يعود النقاش متعلقًا بموسوعة إلكترونية فحسب، بل بمستقبل المعرفة العامة نفسها.
المصدر الأساسي: ستيف يانكوفسكي، الورقة كاملة في مجلة الذكاء الاصطناعي والمجتمع، 11 أيلول 2026.

