New Recipe

New Recipe

الربط بين العلم والإنسانوية: أين وقع الخلل في هذه العلاقة الحيوية

أيسر –– يبدو السؤال بسيطًا في ظاهره: ما وظيفة العلم؟ هل هو فقط أن يعرف العالم كما هو، وأن يشرح الظواهر، ويتنبأ بما سيحدث، ويمنحنا أدوات للسيطرة على الطبيعة؟ أم أن للعلم وظيفة أعمق، تتصل بما نريده لأنفسنا وللعالم: الصحة، والكرامة، والعدالة، والحرية، وحماية الكوكب، وتوسيع معنى الحياة الإنسانية؟ ينطلق كتاب Science and Humanism: Knowledge, […]

الأكوان المتعددة: هل كوننا هو كلّ الواقع؟

أيسر –– حين نسمع عبارة «الأكوان المتعددة»، قد تذهب أذهاننا مباشرة إلى أفلام الخيال العلمي: شخص يعيش نسخًا مختلفة من حياته، أو باب سري يقود إلى عالم موازٍ، أو كون يشبه كوننا مع اختلاف صغير يقلب كل شيء. لكن كتاب جيريمي باترفيلد (Jeremy Butterfield)، The Multiverse: a Philosophical Introduction، لا يدخل هذا العالم من بوابة […]

حين تقود الذرّات إلى العلّة الأولى

أيسر –– يحاول إيمانويل روتن (Emanuel Rutten)، في مقالته «Atomism, Causalism, and the Existence of a First Cause»، أن يقدم برهانًا جديدًا على وجود علّة أولى للواقع، وهو المصطلح الذي يرتبط بوجود خالق للكون. غير أن أهمية المقال لا تكمن فقط في عودته إلى سؤال قديم شغل أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني ولايبنتز، بل في الطريقة […]

New Recipe

New Recipe

الربط بين العلم والإنسانوية: أين وقع الخلل في هذه العلاقة الحيوية

أيسر –– يبدو السؤال بسيطًا في ظاهره: ما وظيفة العلم؟ هل هو فقط أن يعرف العالم كما هو، وأن يشرح الظواهر، ويتنبأ بما سيحدث، ويمنحنا أدوات للسيطرة على الطبيعة؟ أم أن للعلم وظيفة أعمق، تتصل بما نريده لأنفسنا وللعالم: الصحة، والكرامة، والعدالة، والحرية، وحماية الكوكب، وتوسيع معنى الحياة الإنسانية؟ ينطلق كتاب Science and Humanism: Knowledge, […]

الأكوان المتعددة: هل كوننا هو كلّ الواقع؟

أيسر –– حين نسمع عبارة «الأكوان المتعددة»، قد تذهب أذهاننا مباشرة إلى أفلام الخيال العلمي: شخص يعيش نسخًا مختلفة من حياته، أو باب سري يقود إلى عالم موازٍ، أو كون يشبه كوننا مع اختلاف صغير يقلب كل شيء. لكن كتاب جيريمي باترفيلد (Jeremy Butterfield)، The Multiverse: a Philosophical Introduction، لا يدخل هذا العالم من بوابة […]

حين تقود الذرّات إلى العلّة الأولى

أيسر –– يحاول إيمانويل روتن (Emanuel Rutten)، في مقالته «Atomism, Causalism, and the Existence of a First Cause»، أن يقدم برهانًا جديدًا على وجود علّة أولى للواقع، وهو المصطلح الذي يرتبط بوجود خالق للكون. غير أن أهمية المقال لا تكمن فقط في عودته إلى سؤال قديم شغل أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني ولايبنتز، بل في الطريقة […]

الأكوان المتعددة: هل كوننا هو كلّ الواقع؟

أيسر –– حين نسمع عبارة «الأكوان المتعددة»، قد تذهب أذهاننا مباشرة إلى أفلام الخيال العلمي: شخص يعيش نسخًا مختلفة من حياته، أو باب سري يقود إلى عالم موازٍ، أو كون يشبه كوننا مع اختلاف صغير يقلب كل شيء. لكن كتاب جيريمي باترفيلد (Jeremy Butterfield)، The Multiverse: a Philosophical Introduction، لا يدخل هذا العالم من بوابة السينما أو الرواية، بل من باب الفلسفة والفيزياء. إنه كتاب يريد أن يسأل، بهدوء ودقة: ماذا لو لم يكن كوننا هو كلّ الواقع؟ وماذا لو كان ما نسميه «العالم» مجرد عضو واحد في مجموعة هائلة من العوالم؟

الكتاب ليس دفاعًا حماسيًا عن فكرة الأكوان المتعددة، ولا هجومًا عليها. قوته الأساسية أنه يعلّم القارئ كيف يفكر في هذه الفكرة قبل أن يصدقها أو يرفضها. فباترفيلد، وهو فيلسوف مهتم بفلسفة الفيزياء، لا يتعامل مع «الأكوان المتعددة» كعنوان واحد بسيط، بل يبيّن أن وراء هذا الاسم أكثر من تصور. هناك أكوان متعددة عند الفلاسفة، وأخرى عند علماء الكم، وثالثة عند علماء الكونيات. وقد تتشابه هذه التصورات في الاسم، لكنها تختلف في المعنى، والدافع، وطريقة البرهنة.

الفكرة الأولى التي يناقشها الكتاب تأتي من الفلسفة والمنطق، لا من التلسكوبات أو المختبرات. نحن في حياتنا اليومية نتحدث باستمرار عن أشياء ممكنة لم تحدث. نقول مثلًا: كان يمكن أن تمطر اليوم، أو كان يمكن أن أسافر بدلًا من البقاء، أو كان يمكن أن يربح فريق آخر المباراة. هذه العبارات لا تصف ما حدث فعلًا، بل تصف طرقًا أخرى كان يمكن للعالم أن يكون عليها. من هنا نشأت في الفلسفة فكرة «العوالم الممكنة»: كل طريقة كاملة ومتسقة كان يمكن أن يكون عليها العالم هي «عالم ممكن».

هذا لا يعني، عند معظم الفلاسفة، أن هذه العوالم موجودة كما توجد الطاولة أو الشجرة أو الكوكب. لكنها طريقة قوية لفهم الإمكان والضرورة والشرطيات. فإذا قلنا «لو لم يذهب فلان إلى ذلك المكان لما التقى بصديقه»، فنحن نقارن عالمنا الفعلي بعالم ممكن آخر لم يحصل فيه ذلك اللقاء. بعض الفلاسفة، مثل ديفيد لويس (David Lewis)، ذهبوا إلى موقف أكثر جرأة: العوالم الممكنة كلها حقيقية، لا تقل واقعية عن عالمنا، ونحن فقط نعيش في واحد منها. باترفيلد يتعامل مع هذا الموقف بجدية، لكنه لا يطلب من القارئ أن يصدقه. بل يبيّن لماذا يجد كثير من الفلاسفة هذه الفكرة مفيدة، حتى إن لم يقبلوا صورتها الأكثر تطرفًا.

ومن هنا تأتي قيمة الكتاب. فهو لا يقدم «الأكوان المتعددة» كدهشة شعبية، ولا كحقيقة علمية نهائية، بل كمسألة فكرية تكشف حدود معرفتنا. نحن نحتاج إلى الخيال لكي نفكر في إمكانات تتجاوز عالمنا المباشر، لكننا نحتاج أيضًا إلى الحذر حتى لا تتحول الكلمات الجذابة إلى أوهام. كلمة «كون» نفسها قد تخدعنا: هل تعني كل ما يوجد؟ أم تعني فقط الجزء الذي نستطيع الاتصال به أو رصده؟ وإذا قلنا إن هناك «عوالم أخرى»، فهل نقصد عوالم مادية، أم احتمالات منطقية، أم فروعًا كمّية، أم فقاعات كونية بعيدة؟

الفكرة الثانية تأتي من ميكانيكا الكم، وتحديدًا من تفسير إيفرت (Everettian interpretation)، المعروف أيضًا باسم «تفسير العوالم المتعددة». هنا لسنا أمام إمكانات منطقية مجردة، بل أمام مشكلة فيزيائية حقيقية: كيف نفهم العالم الكمّي؟ في الفيزياء الكلاسيكية، نتصور الأشياء كأن لها خصائص محددة: الجسم هنا أو هناك، القط حي أو ميت. أما في ميكانيكا الكم، فقد تبدو الحالة الفيزيائية كأنها تجمع احتمالات متعددة في وقت واحد. المثال الأشهر هو قطة شرودنغر: تجربة فكرية تجعل القطة، بحسب الوصف الكمّي، لا حية تمامًا ولا ميتة تمامًا قبل القياس.

تفسير إيفرت يحل المشكلة بطريقة جذرية: لا يوجد انهيار غامض للحالة الكمّية، بل تتفرع الحالة إلى عوالم مختلفة. في عالم تكون القطة حية، وفي عالم آخر تكون ميتة. كلا العالمين حقيقي، لكننا لا نرى إلا الفرع الذي نحن فيه. هذه الفكرة جذابة لأنها تحافظ على بساطة المعادلات الكمّية، لكنها تخلق سؤالًا فلسفيًا صعبًا: إذا كانت كل النتائج تحصل فعلًا في فروع مختلفة، فماذا تعني «الاحتمالية»؟ ما معنى أن نقول إن احتمال نتيجة ما هو 50 في المئة إذا كانت كل النتائج ستتحقق في عوالم مختلفة؟ لذلك يجعل باترفيلد سؤال «الصدفة» أو «الاحتمال الموضوعي» محور نقاشه في هذا القسم.

أما التصور الثالث للأكوان المتعددة فيأتي من علم الكونيات، خاصة من فكرة «التضخم الكوني». بحسب التصورات المعاصرة، مر الكون في لحظاته المبكرة جدًا بمرحلة تمدد هائل وسريع. بعض نماذج التضخم تقود إلى فكرة أن هذا التمدد لا ينتج كونًا واحدًا فقط، بل «فقاعات» كونية كثيرة، كل فقاعة منها يمكن أن تكون كونًا قائمًا بذاته. وربما تختلف هذه الأكوان في بعض الثوابت والقوانين الفيزيائية. ما نراه نحن ليس إلا فقاعة واحدة من هذا المشهد الكوني الأوسع.

أهمية هذه الفكرة أنها قد تساعد في تفسير ما يسمى «الضبط الدقيق» للكون. فالقوانين والثوابت الفيزيائية في عالمنا تبدو مضبوطة بطريقة تسمح بوجود النجوم والكواكب والحياة. لو تغيرت بعض القيم قليلًا، ربما لم يكن ممكنا أن يظهر كون صالح للحياة. فهل هذا الضبط يحتاج إلى تفسير خاص؟ إحدى الإجابات تقول: إذا كان هناك عدد هائل من الأكوان، بقيم مختلفة للثوابت، فليس غريبًا أن نجد أنفسنا في كون يسمح بوجودنا؛ لأننا ببساطة لا نستطيع الوجود في كون لا يسمح بوجود مراقبين. هذه هي الفكرة المرتبطة بما يسمى «المبدأ الأنثروبي»، أي تفسير بعض خصائص الكون من زاوية أن وجودنا كمراقبين يفرض شروطًا معينة على ما يمكن أن نلاحظه.

لكن باترفيلد لا يترك هذه الفكرة تمر بسهولة. فهو يسأل: هل هذا تفسير حقيقي أم مجرد إعادة صياغة للمشكلة؟ هل يكفي أن نقول إننا نعيش في كون مناسب للحياة لأن الأكوان غير المناسبة لا يوجد فيها من يطرح السؤال؟ ثم كيف يمكن اختبار نظرية تقول بوجود أكوان لا نستطيع رؤيتها؟ هنا يصبح النقاش فلسفيًا بقدر ما هو فيزيائي. فالمسألة ليست فقط: هل توجد أكوان أخرى؟ بل أيضًا: ما الذي نعدّه تفسيرًا؟ وما الذي نعدّه دليلًا؟ وهل يمكن للعلم أن يتحدث عن أشياء لا نستطيع رصدها مباشرة إذا كانت تفسر ما نرصده؟

من أجمل ما في الكتاب أن مؤلفه لا يتظاهر باليقين. فهو يعلن منذ البداية أن أحكامه مؤقتة. يميل إلى قبول نسخة فلسفية من فكرة العوالم الممكنة، لكنه لا يقبل الواقعية الصلبة عند ديفيد لويس. ولا يصدق تفسير إيفرت الكمّي للأكوان المتعددة. أما في الأكوان الكونية الناتجة عن التضخم، فيقف موقفًا وسطًا: «ربما». هذا التردد ليس ضعفًا، بل أحد دروس الكتاب. فالقضايا الكبرى، خاصة حين تقع عند تقاطع الفلسفة والفيزياء، لا تحسم عادة بجملة واحدة أو تجربة واحدة. إنها تحتاج إلى موازنة بين الأدلة، والمفاهيم، والحدس، والحذر الفكري.

ومن هنا تأتي قيمة الكتاب. فهو لا يقدم «الأكوان المتعددة» كدهشة شعبية، ولا كحقيقة علمية نهائية، بل كمسألة فكرية تكشف حدود معرفتنا. نحن نحتاج إلى الخيال لكي نفكر في إمكانات تتجاوز عالمنا المباشر، لكننا نحتاج أيضًا إلى الحذر حتى لا تتحول الكلمات الجذابة إلى أوهام. كلمة «كون» نفسها قد تخدعنا: هل تعني كل ما يوجد؟ أم تعني فقط الجزء الذي نستطيع الاتصال به أو رصده؟ وإذا قلنا إن هناك «عوالم أخرى»، فهل نقصد عوالم مادية، أم احتمالات منطقية، أم فروعًا كمّية، أم فقاعات كونية بعيدة؟

بهذا المعنى، الكتاب ليس فقط عن الأكوان المتعددة، بل عن طريقة تفكير الإنسان حين يلامس حافة المعرفة. إنه يذكّرنا بأن العلم لا يتحرك وحده بلا فلسفة، وأن الفلسفة لا تستطيع اليوم أن تتحدث عن العالم بمعزل عن الفيزياء. بينهما منطقة مشتركة: منطقة الأسئلة التي لا تكفي فيها المعادلة وحدها، ولا يكفي فيها التأمل وحده. الأكوان المتعددة واحدة من هذه الأسئلة.

قد لا يخرج القارئ من الكتاب مؤمنًا بأن هناك أكوانًا أخرى. وربما لا يريد باترفيلد ذلك أصلًا. ما يريده، على الأرجح، أن يخرج القارئ أكثر انتباهًا للفارق بين الفكرة الجميلة والفكرة المبررة، وبين الإمكان المنطقي والدليل العلمي، وبين التفسير الحقيقي والكلمة التي تبدو كأنها تفسر. لذلك تصلح هذه المقدمة الفلسفية للأكوان المتعددة لكل من يريد أن يفهم لماذا صارت هذه الفكرة مركزية في نقاشات معاصرة، لا بوصفها خيالًا علميًا فقط، بل بوصفها اختبارًا لعلاقتنا بالواقع، وبحدود العقل، وبما يمكن أن نعرفه عن كون قد لا يكون وحيدًا.

تريند

الأكثر شيوعا

عن المنصة

تواصل معنا

منصة رقمية تُعنى بتقريب الفلسفة وتبسيط أفكارها لكل قارئ.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة أيسر ©  2026

اشترك في النشرة الإخبارية 
لتصلك أحدث الاخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني