أيسر –– نحن لا ننتظر القانون كي يخبرنا بأن القتل والسرقة والاعتداء أفعال خاطئة. تبدو هذه الأفعال جديرة بالإدانة قبل أن يفتح المشرّع كتاب العقوبات ويضع إلى جانبها عقوبة محددة. لكن الأمر لا يكون بهذه البساطة دائمًا. فماذا عن قيادة سيارة بلا رخصة، أو عدم تقديم نموذج إداري في موعده، أو بيع سلعة من دون استيفاء شرط تنظيمي، أو دخول منطقة محظورة في وقت معين؟ هل هذه أفعال خاطئة في ذاتها، أم تصبح خاطئة لأن القانون منعها؟
تدخل الباحثة آنا ل. بيترز هذا النقاش من خلال ورقتها الأصلية بالإنجليزية Defining the Wrongness Constraint، أي «تعريف قيد الخطأ»، المنشورة في دورية Criminal Law and Philosophy. وهي لا تسأل فقط عن الأفعال التي ينبغي تجريمها، بل تحاول أولًا صياغة المبدأ الأخلاقي الذي يحدد ما لا يجوز للدولة تجريمه.
تقترح بيترز صياغة شديدة الصرامة: لا يجوز للمسؤولين القانونيين تجريم نوع من الأفعال إلا إذا كانت جميع الحالات التي يندرج عليها ذلك النوع خاطئة أخلاقيًا خارج القانون. فلا يكفي أن يكون معظمها ضارًا، ولا أن يصبح الفعل خاطئًا بسبب صدور الحظر، ولا حتى أن يكون مخالفًا لتنظيم إداري مبرر؛ بل يجب أن يكون الخطأ قائمًا بصورة مستقلة عن القانون نفسه.
لماذا لا يكفي أن يقول القانون «ممنوع»؟
يقوم «قيد الخطأ» على فكرة ليبرالية أساسية: استخدام القانون الجنائي ليس مجرد إصدار تعليمات لتنظيم السلوك. فالقانون الجنائي يمارس الإكراه، ويهدد بالعقوبة، ويلصق بالفعل وصمة اجتماعية، ثم يعلن أن مرتكبه يستحق اللوم باسم المجتمع.
ثمة فرق بين أن تقول الدولة للمواطن: «نحتاج إلى التزامك بهذا الإجراء حتى تسير المصلحة العامة بانتظام»، وأن تقول له: «إذا خالفت هذا الإجراء فأنت مجرم». في الحالة الثانية لا تنظّم الدولة السلوك فحسب، بل تصدر حكمًا أخلاقيًا على الفاعل.
من هنا تستند بيترز إلى اعتراضين. الأول أن الدولة لا يجوز لها إكراه الإنسان على الامتناع عن فعل غير خاطئ أخلاقيًا. والثاني أنها لا يجوز أن تدين أو توبّخ فعلًا لا يستحق الإدانة. فالعقوبة الجنائية لا تسلب المال أو الحرية فقط؛ إنها تتحدث بلسان المجتمع وتقول للمتهم: «ما فعلته يستحق اللوم». وإذا لم يكن فعله خاطئًا أصلًا، أصبحت هذه الرسالة كاذبة أو ظالمة.
الخطأ قبل القانون والخطأ خارج القانون
يمكن التمييز هنا بين ثلاثة أنواع من الأفعال. الأول خاطئ في ذاته، مثل الاعتداء والاحتيال والسرقة. والثاني يصبح خاطئًا بعد أن يجرّمه القانون، إذا افترضنا وجود واجب أخلاقي عام بطاعة القوانين. أما الثالث فيصبح خاطئًا بسبب مخالفته قاعدة تنظيمية مشروعة، حتى لو لم تكن القاعدة جنائية.
ترفض بيترز الاكتفاء بالنوعين الثاني والثالث. فإذا قلنا إن الفعل يصبح جديرًا بالتجريم لمجرد أن القانون حرّمه، دخلنا في حلقة مغلقة: يجوز تجريم الفعل لأنه خاطئ، وهو خاطئ لأننا جرّمناه. وعندئذ يفقد «قيد الخطأ» كل قدرته على تقييد سلطة الدولة؛ فكل قانون يستطيع أن يصنع بنفسه المبرر الأخلاقي لاستمراره.
بل إن بيترز تذهب أبعد من اشتراط أن يكون الفعل خاطئًا قبل تجريمه. فهي ترى أن الخطأ يجب أن يكون مستقلًا عن التنظيم القانوني كله. وهذا يعني أن مخالفة قاعدة إدارية معقولة لا تكفي وحدها لتحويل السلوك إلى جريمة. قد تملك الدولة أسبابًا وجيهة لتنظيم الفعل أو منعه إداريًا، لكن ذلك لا يمنحها تلقائيًا الحق في استخدام العقاب الجنائي ضده.
تكمن قوة ورقة بيترز في أنها تعيد عبء الإثبات إلى الدولة. فليس على الفرد أن يبرهن أن سلوكه البريء ينبغي أن يبقى مباحًا، بل على المشرّع أن يوضح لماذا يستحق هذا السلوك الإكراه والإدانة الجنائيين. وتكمن صعوبتها في أنها قد تحرم الدولة من قواعد احترازية ضرورية لمواجهة أخطار لا يمكن إدارتها عبر تقييم أخلاقي منفصل لكل حالة.
المشكلة في كلمة «جميع»
أكثر أجزاء الأطروحة إثارة للخلاف هو اشتراط أن تكون جميع حالات الفعل المجرَّم خاطئة أخلاقيًا. فالقوانين تُصاغ عادة في فئات عامة، بينما تتنوع الحالات الواقعية بصورة لا تنتهي.
لنأخذ منع حيازة سكين في مكان عام. قد يحمل شخص السكين للاعتداء، وقد يحمله طاهٍ عائد من عمله، أو عامل يحتاج إليه في مهنته، أو شخص يخشى خطرًا حقيقيًا. وإذا كانت صياغة الجريمة تشمل هذه الحالات جميعًا، فإنها تشمل أفعالًا لا تبدو خاطئة أخلاقيًا. وعند تطبيق معيار بيترز، يصبح النص أوسع مما يجوز، حتى لو كانت هذه السعة تسهّل عمل الشرطة وتمنع بعض الأخطار.
تكشف هذه النتيجة الفرق بين الفعل الخاطئ والفعل الذي ينطوي على مخاطرة. فليس كل ما يزيد احتمال الضرر اعتداءً أخلاقيًا في ذاته. وقد ترى الدولة أن الوقاية تقتضي رسم حدود واضحة وسهلة التطبيق، لكن سهولة الإنفاذ ليست هي الاستحقاق الأخلاقي للعقوبة.
هنا يظهر الاعتراض العملي الأقوى: هل يمكن لأي نظام حديث أن يعمل من دون جرائم تنظيمية واسعة؟ قوانين المرور والسلامة المهنية والبيئة والأدوية والأسلحة والطيران تعتمد كثيرًا على قواعد احترازية. وقد تكون كل مخالفة منفردة غير مؤذية، لكن التساهل الجماعي معها يخلق خطرًا كبيرًا.
من يقود بسرعة أعلى قليلًا من الحد المقرر في طريق خالٍ ربما لا يرتكب فعلًا شريرًا. غير أن نظام المرور لا يستطيع إعادة تحديد السرعة الآمنة لكل سيارة وفي كل ثانية. إنه يحتاج إلى خط واضح. فهل نرفض التجريم لأن بعض المخالفات لا تتضمن خطأ أخلاقيًا مستقلًا، أم نقبل قدرًا من الشمول الزائد لأن الوقاية العامة تحتاج إلى قواعد بسيطة؟
بين الجريمة والتنظيم
لا تعني أطروحة بيترز أن الدولة عاجزة عن تنظيم الأفعال غير الخاطئة. فهناك أدوات أخرى: الترخيص، والغرامات الإدارية، والتعويض المدني، وسحب الامتيازات، وإجراءات السلامة، والرقابة المهنية. السؤال ليس ما إذا كان يحق للدولة التدخل، بل ما إذا كان يجوز لها أن تستعمل أقسى أدواتها وأكثرها وصمًا: القانون الجنائي.
بهذا المعنى، تدفع الورقة إلى تقليص مساحة التجريم، لا إلى إلغاء التنظيم. فإذا كان الهدف إدارة نشاط معقد أو الحد من احتمال بعيد للضرر، فقد يكون الجزاء الإداري أكثر صدقًا وتناسبًا من وصف المخالف بأنه مجرم.
لكن الحدود ليست واضحة دائمًا. فقد يبدو الفعل المحايد في ظاهره جزءًا من ممارسة اجتماعية لا تنجح إلا بالتزام الجميع. الامتناع عن إجراء واحد للسلامة قد لا يضر أحدًا، لكن تكرار هذا الامتناع يعرّض العمال أو المستهلكين للخطر. ويمكن عندئذ القول إن الشخص لا يُدان بسبب النتيجة التي أحدثها وحده، بل بسبب إخلاله بواجب عادل في التعاون ومنع الضرر الجماعي.
هذه الحجة تتيح الدفاع عن بعض الجرائم التنظيمية من دون القول إن القانون يخلق الخطأ من العدم. فالخطأ الأخلاقي قد يكمن في تعريض الآخرين لخطر غير مقبول، أو في الانتفاع من تعاونهم مع رفض تحمل الحصة العادلة من أعبائه. لكن هذا الدفاع لا ينجح إلا إذا أمكن إثبات وجود ذلك الواجب الأخلاقي بصورة مستقلة عن مجرد صدور اللائحة.
هل القيد مطلق حقًا؟
توضح بيترز أن «قيد الخطأ» ليس النظرية الكاملة للتجريم، ولا يقدم وحده سببًا إيجابيًا لمعاقبة أي فعل. كون الفعل خاطئًا لا يعني وجوب تجريمه؛ فقد تكون العقوبة غير متناسبة، أو يكون الإنفاذ مكلفًا، أو يؤدي التجريم إلى أضرار أكبر من الفعل نفسه.
وفي الاتجاه المقابل، تقر بأن المسؤولين القانونيين يحملون واجبات أخرى قد تتعارض مع هذا القيد، مثل حماية الناس واحترام سيادة القانون وتنفيذ التشريعات الصادرة بطريقة مشروعة. لذلك فإن القول إن تجريم فعل غير خاطئ يمثل انتهاكًا أخلاقيًا لا يعني استحالة وجود ظرف يصبح فيه ذلك التجريم واجبًا بسبب اعتبارات مضادة أشد وزنًا.
هذه النقطة تجعل الأطروحة أقل بساطة مما توحي به صياغتها الأولى. فالقيد صارم، لكنه ليس آلة تنتج جوابًا تلقائيًا. قد يكون المسؤول، في بعض الحالات، محاصرًا بين واجبين: ألا يدين البريء أخلاقيًا، وأن يمنع خطرًا جسيمًا لا يمكن منعه بوسيلة أخرى.
ماذا يكتشف القانون وماذا يصنع؟
القانون يكتشف بعض الجرائم؛ أي إنه يتعرف إلى خطأ أخلاقي سابق عليه، ثم يحدد أركانه وعقوبته. لكنه يصنع جرائم أخرى بالمعنى القانوني البحت، عندما يحوّل فعلًا كان مباحًا إلى مخالفة يعاقب عليها.
ولا تكمن المشكلة في أن القانون يضع قواعد جديدة؛ فهذا جزء ضروري من الحكم. المشكلة تبدأ حين يخلط بين مخالفة القاعدة والشر الأخلاقي، أو حين يستخدم وصمة الجريمة لتسهيل الإدارة، من دون أن يبرهن أن كل من يقع تحت النص فعل ما يستحق اللوم.
تكمن قوة ورقة بيترز في أنها تعيد عبء الإثبات إلى الدولة. فليس على الفرد أن يبرهن أن سلوكه البريء ينبغي أن يبقى مباحًا، بل على المشرّع أن يوضح لماذا يستحق هذا السلوك الإكراه والإدانة الجنائيين. وتكمن صعوبتها في أنها قد تحرم الدولة من قواعد احترازية ضرورية لمواجهة أخطار لا يمكن إدارتها عبر تقييم أخلاقي منفصل لكل حالة.
لذلك ربما يكون الجواب الأدق أن القانون يستطيع إنشاء مخالفة، لكنه لا يستطيع بمجرد إرادته إنشاء خطأ أخلاقي. يستطيع أن يصف الفعل بأنه جريمة، وأن يعتقل مرتكبه ويعاقبه، لكنه لا يستطيع أن يجعل إدانته عادلة بمجرد طباعة النص في الجريدة الرسمية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أعمق من عنوان الجريمة: عندما تعاقب الدولة إنسانًا، هل تكشف خطأ ارتكبه، أم تستخدم قوتها كي تحوّل الطاعة ذاتها إلى معيار للفضيلة؟
المصدر: Anna L. Peters, “Defining the Wrongness Constraint,” Criminal Law and Philosophy, vol. 20, 2026, pp. 401–426. PhilPapers | النص الكامل

