أيسر–– عندما يطلب صندوق النقد الدولي من دولة خفض الإنفاق أو رفع الضرائب، أو توصي منظمة صحية بإغلاق المدارس والحدود، أو تحدد وكالة دولية شروط الحصول على المساعدات، تبدو القرارات غالبًا كأنها نتائج فنية توصل إليها الخبراء. لكن هل تقول الخبرة فعلًا ما يجب فعله، أم إنها تحدد ما يمكن فعله، ثم يتولى مسؤولون غير منتخبين تحويل إحدى الإمكانات إلى سياسة ملزمة؟
يناقش الباحث يان آيكينغ (Jan Eijking) هذه المسألة في مقاله «قاوموا التكنوقراط»، المنشور في مجلة Aeon في 31 تموز 2026. لا يرفض آيكينغ العلم ولا الخبراء، بل يحاول إنقاذهما من طريقة سياسية تستعمل سلطتهما لإخفاء القرارات القيمية والمصالح المتنافسة وراء لغة الحياد والكفاءة والضرورة.
يحمل المقال عنوان Resist the Technocrats، ويستند إلى كتاب آيكينغ الصادر سنة 2026، The Technocratic International: Experts and the Making of a World from Nowhere (الأممية التكنوقراطية: الخبراء وصناعة عالم من لا مكان»). يستعيد الكتاب، الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد، التاريخ المبكر للمنظمات الدولية ليثبت أن السلطة العابرة للحدود نشأت منذ البداية متداخلة مع الإمبراطورية والرأسمالية والخبرة الفنية، لا في فضاء محايد فوقها. نص المقال وصفحة الكتاب لدى مطبعة جامعة أكسفورد.
الخبير ليس هو التكنوقراطي
يبدأ آيكينغ بتمييز يبدو بسيطًا لكنه يحمل أطروحته كلها. فالخبير شخص يمتلك معرفة متخصصة: عالم أوبئة يقدر مسار العدوى، أو اقتصادي يحلل آثار الدَيْن، أو مهندس يختبر سلامة منشأة، أو قانوني يفسر معاهدة. يستطيع الخبير بيان ما يرجح حدوثه إذا اختيرت سياسة معينة، لكنه لا يستطيع من داخل اختصاصه وحده أن يقرر ما ينبغي للمجتمع التضحية به في سبيلها.
أما التكنوقراطي فلا يكتفي بالاستماع إلى الخبرة؛ بل يحولها إلى مصدر للسلطة السياسية. يقدم الخيار الذي يفضله بوصفه النتيجة التي تفرضها البيانات، كأن الأرقام ألغت الحاجة إلى الاختيار، وكأن المجتمع لم يعد أمام مفاضلة بين مصالح وقيم، بل أمام حل صحيح وآخر خاطئ.
يمكن لعالم الأوبئة أن يقدر أن إغلاق المدارس سيخفض الإصابات بنسبة معينة، لكنه لا يستطيع من خلال علم الأوبئة وحده أن يحدد إن كان هذا الانخفاض يستحق الضرر التعليمي والنفسي والاقتصادي الذي سيقع على الأطفال والأسر. ويمكن للاقتصادي أن يتوقع أن خفض الإنفاق سيقلل عجز الموازنة، لكنه لا يستطيع باقتصاده وحده أن يحسم من يتحمل الخفض، وما الحد المقبول للفقر والبطالة، وهل العدالة الاجتماعية أقل أهمية من استقرار المؤشرات المالية.
هذه أحكام سياسية وأخلاقية. تبدأ التكنوقراطية عندما تُخفى هذه الأحكام داخل النموذج الفني، ويقال للجمهور إن «العلم» أو «الاقتصاد» أو «القانون» لم يترك بديلًا.
البرق الذي حمل الإمبراطورية
يعود آيكينغ إلى باريس سنة 1865، عندما اجتمع مندوبون من عشرين دولة لتوحيد أنظمة التلغراف وتأسيس المؤسسة التي أصبحت لاحقًا الاتحاد الدولي للاتصالات. بدا المشروع فنيًا خالصًا: توحيد الشفرات والرسوم والقواعد حتى تنتقل الرسائل عبر الحدود بسرعة ودقة.
تحدث المسؤولون آنذاك عن الاتصال باعتباره وسيلة لإنهاء سوء الفهم بين الشعوب وربما تقليل أسباب الحروب. فكلما أصبح التواصل أسهل، اقترب العالم، في تصورهم، من التعاون والسلام.
لكن خطوط التلغراف لم تكن مجرد جسور إنسانية لتبادل الأفكار؛ كانت أدوات للتجارة والقيادة العسكرية وإدارة المستعمرات. وكانت القرارات المتعلقة بمواقع الخطوط والتعرفة والمعايير الفنية تفضل دولًا وشركات وطرقًا تجارية على أخرى. لم يلغ التنظيم التقني علاقات القوة، بل أعاد صياغتها في صورة قواعد ومعايير دولية.
هذه هي اللحظة المؤسسة في حجة آيكينغ: قد تكون المشكلة فنية فعلًا، لكن تعريفها واختيار خبرائها وتحديد الحل المقبول لها عمليات سياسية. فالأسلاك لا تملك مصالح، غير أن الذين يقررون أين تمتد ومن يستخدمها وبأي كلفة يملكونها.
حين تقول السلطة إن العلم أجبرها على فعل شيء ما، ينبغي ألا يكون ردنا رفض العلم، بل مطالبتها بإظهار اللحظة التي انتهت عندها المعرفة وبدأ اختيارها السياسي.
الحلم بعالم فوق السياسة
لم تبدأ فكرة الإدارة العالمية المحايدة مع الأمم المتحدة. فقد تصور جيريمي بنثام (Jeremy Bentham) قانونًا دوليًا يرتفع فوق «ضباب التعصب»، بينما حلم هنري دو سان سيمون (Henri de Saint-Simon) بمجالس يقودها العلماء والمهندسون وتوحد الدول على أرضية العقل والمعرفة.
كان الوعد جذابًا: إذا كانت الحروب والنزاعات تنشأ من الأهواء القومية والمصالح السياسية، فلماذا لا ننقل المسائل المشتركة إلى مؤسسات محايدة يديرها أشخاص أكفاء؟ فالمهندس لا يسأل عن أيديولوجية الجسر، والطبيب لا يعالج المريض بحسب حزبه، والخبير المالي يفترض أن يتحدث بلغة الأرقام.
غير أن الخبراء الذين شيدوا المؤسسات الدولية الأولى لم يكونوا خارج عالم الإمبراطوريات؛ كانوا من أبنائه وموظفيه والمستفيدين منه. وجاء معظمهم من مؤسسات تعليمية ونخب مهنية أوروبية محددة، بينما استُبعدت شعوب آسيا وإفريقيا أو عوملت بوصفها جهات مستهدفة للإدارة والتمدن من وجهة نظر المستعمر، لا شريكًا متساويًا في صناعة النظام.
بل إن سان سيمون، الذي تخيل مؤسسات تتجاوز تنافس الدول، استبعد الأفارقة والآسيويين من مجالسه الدولية على أساس تراتبية «حضارية» وعنصرية. لم يكن عالم الخبراء عالمًا بلا موقع، كما أوحى لنفسه، بل كان أوروبيًا وإمبراطوريًا يعلن تجربته المحلية عقلًا عالميًا.
ومن هنا جاء العنوان الفرعي لكتاب آيكينغ: «صناعة عالم من لا مكان». فالتكنوقراط يتكلمون كما لو أنهم ينظرون من نقطة محايدة لا تنتمي إلى دولة أو طبقة أو حضارة، مع أن المعرفة التي يحملونها والمؤسسات التي يعملون فيها نشأت في مكان محدد وداخل علاقات قوة محددة.
من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة
تكررت الفكرة في عصبة الأمم ثم في نظام الأمم المتحدة. فبعد حربين عالميتين، بدت المؤسسات الدولية أدوات ضرورية لمنع عودة الكارثة، وتنظيم التعاون، وإدارة الصحة والاقتصاد واللاجئين والتنمية.
لا ينكر آيكينغ ما قدمته هذه المؤسسات، لكنه يعترض على القصة التي تصورها قطيعة كاملة مع عصر الإمبراطوريات. فقد أدارت عصبة الأمم نظام الانتداب، ثم ورثت الأمم المتحدة أشكالًا من الوصاية الدولية. واختفت كلمة «الاستعمار» أحيانًا لتحل محلها لغة التنمية والتحديث وبناء القدرات، بينما بقيت العلاقة غير المتكافئة بين من يضع المعايير ومن يخضع لها.
كما بُني النظام الدولي بعد سنة 1945 في ظل الحرب الباردة وتفاوت القوة الاقتصادية والعسكرية. ولم تدخل الدول الجديدة إليه وهي مساوية للدول التي صممت مؤسساته وحددت قواعده ومصادر تمويله. ولذلك لم تكن الخبرة الفنية مجرد معرفة مشتركة؛ كانت أيضًا وسيلة لتعميم نماذج قانونية واقتصادية وإدارية نشأت في الدول الأقوى.
لا يقول آيكينغ إن كل تعاون دولي مؤامرة استعمارية، ولا إن كل خبير موظف في خدمة الهيمنة. حجته أدق: لا تستطيع المؤسسة أن تستمد شرعيتها من ادعاء البراءة من السياسة؛ لأنها ولدت داخل السياسة، ولا تزال قراراتها توزع المنافع والتكاليف بين أطراف غير متساوية.
صندوق النقد: حين يصبح التقشف «ضرورة«
يظهر المنطق التكنوقراطي بوضوح في برامج صندوق النقد الدولي. فعندما تواجه دولة أزمة ديون أو عجزًا في العملات الأجنبية، يقدم الصندوق تمويلًا مشروطًا بإصلاحات قد تشمل رفع الدعم وزيادة الضرائب وخفض الإنفاق وخصخصة مؤسسات عامة وتحرير الأسعار أو سعر الصرف.
لكل إجراء حجج اقتصادية يمكن دراستها واختبارها. لكن البرنامج ككل لا يكون نتيجة آلية لعلم الاقتصاد. فالمجتمع يستطيع توزيع كلفة الإصلاح بطرائق مختلفة: بين الأجور والأرباح، وبين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وبين الإنفاق الاجتماعي والعسكري، وبين الجيل الحالي والأجيال المقبلة.
عندما يقدم خيار معين بوصفه ما تفرضه «ثقة السوق» أو «استدامة الدين»، تختفي الأسئلة السياسية خلف المصطلحات الفنية: من تسبب في الأزمة؟ من استفاد من الاقتراض والإنفاق السابقين؟ ولماذا يدفع الفقراء من ضريبة الاستهلاك أكثر مما يدفع أصحاب الثروات من دخولهم؟ ومن منح المؤسسة الدولية حق تحديد التوازن المقبول بين الاستقرار والعدالة؟
لا تعني هذه الأسئلة أن الحسابات المالية غير مهمة أو أن الدولة تستطيع تجاهل ديونها إلى الأبد. معناها أن الأرقام تحدد القيود ولا تختار وحدها كيفية العيش داخلها.
منظمة الصحة: هل يصدر العلم أوامرا؟
كشفت جائحة كورونا المشكلة من اتجاه آخر. فقد احتاجت الحكومات إلى خبرة علماء الفيروسات والأوبئة واللقاحات، ولم يكن ممكنًا ترك الحقائق الطبية للتصويت الشعبي. لكن عبارة «اتبعوا العلم» أوحت أحيانًا بوجود سياسة واحدة يقررها العلم.
في الواقع، اختلف الخبراء في تقدير المخاطر، وتغيرت الأدلة بمرور الوقت، وتضمنت القرارات موازنات لم تكن طبية خالصة: حماية المسنين، واستمرار التعليم، وحرية الحركة، وقدرة الفقراء على تحمل الإغلاق، وحق العامل في رفض خطر العدوى، والآثار النفسية للعزلة.
يشير آيكينغ إلى أن اختيار الخبراء نفسه يتضمن قرارًا. من يمثل لجنة الطوارئ: الأطباء وحدهم، أم علماء النفس والاقتصاد والتعليم والعمل أيضًا؟ وهل تضم أصواتًا من الدول الفقيرة التي لا تستطيع تطبيق إجراءات صممت في مجتمعات أغنى؟ وما وزن المعرفة المحلية مقارنة بالشهادات الأكاديمية والخبرة داخل المنظمات الكبرى؟
لا تكمن المشكلة في استشارة الخبراء، بل في تقديم اختيار مجموعة معينة منهم وطريقة استخدام توصياتهم كأنهما انعكاس مباشر ومحايد لـ«العلم«.
أزمة الثقة ليست جهلًا شعبيًا فقط
ترد المؤسسات الدولية عادة على الانتقادات بالتأكيد أنها تعمل وفق الأدلة، بينما يفسر المدافعون عنها المعارضة بأنها نتاج الشعبوية والمعلومات المضللة والقومية. ولا شك في أن جزءًا من الهجوم على المؤسسات والخبراء يقوم فعلًا على الأكاذيب ونظريات المؤامرة، لكن آيكينغ يرى أن هذا التفسير مريح أكثر مما ينبغي. فإذا شعر المواطن بأن قرارًا أثر في راتبه أو علاجه أو مستقبل أطفاله اتخذه أشخاص لا يعرف أسماءهم ولا يستطيع محاسبتهم، فلن تزول المشكلة بإخباره أن القرار أعده خبراء.
عندما تستخدم المؤسسة الخبرة لمنع الجدل بدل تحسينه، فإنها تورط الخبير في سياساتها. وإذا فشلت النتائج أو توزعت آثارها بظلم، انتقلت نقمة الجمهور من المسؤول الذي اختار السياسة إلى العالم أو الطبيب أو الاقتصادي الذي استُخدم اسمه لتبريرها.
لذلك يرى آيكينغ أن التكنوقراطية لا تحمي الخبرة، بل تستنزف الثقة بها. فكلما أصرت المؤسسة على أنها خارج السياسة، ازداد الشك في دوافعها عندما تظهر آثار قراراتها السياسية.
الاعتراض الأول: هل يمكن فصل الخبير عن التكنوقراطي؟
يميز المقال بين الخبير الذي يقدم النصيحة والتكنوقراطي الذي يوظفها سياسيًا. لكن الحد الفاصل ليس واضحًا دائمًا. فالخبير لا يقدم مواد خامًا محايدة؛ إنه يختار السؤال والنموذج والبيانات والمدة الزمنية التي يقيسها والآثار التي يدخلها في الحساب.
عندما يقيس الاقتصادي نجاح البرنامج بحجم العجز والنمو، ولا يقيس تفاوت الدخل أو الأمن الوظيفي، فقد اتخذ قرارًا قيميًا قبل أن تصل توصيته إلى المسؤول. وعندما يركز عالم الصحة على الوفيات المباشرة من المرض ولا يحسب آثار العزلة والفقر وتعطل العلاج، يصبح تعريفه للمشكلة جزءًا من السياسة.
ولا يعني ذلك أن كل رأي خبير دعاية مقنعة. هناك فرق بين التقدير المهني الصادق وبين التلاعب المتعمد. لكن المعرفة والسياسة تتداخلان منذ اختيار ما يستحق المعرفة، لا فقط عند تحويل التقرير إلى قرار.
لهذا قد يكون فصل آيكينغ بين الطرفين مفيدًا أخلاقيًا لكنه أقل صلابة اجتماعيًا. فالخبير والتكنوقراطي قد يكونان الشخص نفسه، أو عضوين في شبكة واحدة تتبادل الأدوار واللغة والسلطة.
الاعتراض الثاني: من يمثل الجمهور العالمي؟
يطالب المقال بمزيد من المساءلة والتداول الديمقراطي، لكنه لا يحدد بوضوح الجمهور الذي ينبغي أن تمثل أمامه المؤسسة الدولية. فصندوق النقد يضم دولًا أعضاء، لكنه يتعامل مع حكومات قد تكون ديمقراطية أو استبدادية. فهل مساءلته تمر عبر الحكومات، أم البرلمانات، أم المجتمعات المتضررة مباشرة؟
إذا كان القرار المتعلق بانبعاثات دولة صناعية يؤثر في جزيرة مهددة بالغرق، فهل يملك سكان الجزيرة صوتًا في القرار؟ وإذا كانت سياسة دوائية تحمي براءات اختراع شركة في دولة غنية وتحد من وصول المرضى في دولة فقيرة إلى العلاج، فمن هم «المواطنون» الذين يجب أن يحسموا التوازن؟
تمتلك الديمقراطية داخل الدولة شعبًا ومؤسسات وانتخابات، مهما كانت ناقصة. أما في المجال الدولي فلا توجد جماعة سياسية عالمية متماسكة تستطيع تفويض المؤسسات ومحاسبتها. ولذلك قد يكون وصف العجز الديمقراطي أسهل من إصلاحه.
ويحتاج نقد آيكينغ هنا إلى خطوة إضافية: تصميم أشكال تمثيل تجمع حكومات الدول بالبرلمانات والمجتمعات المتأثرة والنقابات والمنظمات المدنية، من دون تحويل المؤسسة إلى مؤتمر دائم عاجز عن اتخاذ القرار.
الاعتراض الثالث: هل يخدم النقد أعداء العلم؟
توجد مخاطرة أخرى لا ينبغي تجاهلها. فالشعبوية اليمينية لا تميز عادة بين الخبرة والتكنوقراطية كما يفعل آيكينغ. وقد تستخدم نقده للقول إن علماء المناخ والأطباء والاقتصاديين جميعًا نخبة متآمرة، وإن الحقيقة ليست سوى وجهة نظر تخدم صاحبها.
إذا كانت كل خبرة مشبعة بالقيم والمصالح، فقد يبدو رأي الباحث المناخي ورأي شركة النفط متساويين، أو تصبح توصية الطبيب مجرد موقف سياسي يقابله «رأي» المؤثر في وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن هذا الاستنتاج لا يلزم من المقال. كون المعرفة لا تأتي من مكان محايد لا يعني أن جميع الادعاءات متساوية. يمكننا فحص الأدلة والمناهج والمصالح وتعارضاتها، والتمييز بين البحث القابل للمراجعة والدعاية. المقصود ليس إسقاط سلطة المعرفة، بل منع تحولها من سلطة معرفية محدودة إلى تفويض سياسي شامل.
ومع ذلك، لا يقدم آيكينغ معيارًا مفصلًا يحدد متى يكون الاعتماد على الخبرة مشروعًا ومتى يصبح تكنوقراطيًا. فإذا كان كل استخدام سياسي للخبرة قابلًا للاتهام بإخفاء القيم، فقد تصبح التكنوقراطية وصفًا فضفاضًا لكل إدارة حديثة.
الحالة العربية: الإصلاح القادم من «لا مكان«
تبدو الحجة مألوفة في المنطقة العربية. فكثير من السياسات الاقتصادية والإدارية يصل إلى المواطن بلغة خالية تقريبًا من السياسة: إعادة هيكلة، وتصحيح تشوهات، ورفع كفاءة، واستهداف للدعم، واستدامة مالية، وتحسين لبيئة الأعمال.
هذه المصطلحات ليست كاذبة بالضرورة، لكنها قد تجعل القرار يبدو طبيعيًا وحتميًا. لا يقال إن الحكومة اختارت تحميل فئة اجتماعية قدرًا معينًا من الكلفة؛ بل يقال إن «المؤشرات» اقتضت ذلك. ولا يقال إن جهة مانحة تفضل نموذجًا اقتصاديًا بعينه؛ بل يقال إن «أفضل الممارسات الدولية» تتطلبه.
والمفارقة أن المواطن العربي قد يواجه تكنوقراطية مزدوجة: مؤسسة دولية تقدم شروطها بوصفها خبرة محايدة، وحكومة محلية تستخدم هذه الشروط لتبرير قرار تريده أو لإبعاد المسؤولية عنها. يقول كل طرف إنه ينفذ ضرورة صاغها طرف آخر، فتضيع الجهة التي يمكن مساءلتها.
لكن البديل ليس رفض التمويل أو الخبرة الدولية تلقائيًا. فكثير من المؤسسات المحلية ضعيف أو خاضع للمحسوبية، وقد توفر المعايير الدولية معلومات وضمانات وإصلاحات يحتاجها المجتمع. المسألة هي كشف الاختيارات: ما البدائل التي نوقشت؟ من سيكسب ومن سيخسر؟ وما الذي اعتُبر غير قابل للتفاوض؟ وهل نُشرت النماذج والافتراضات التي بُني عليها القرار؟
هل يمكن إنقاذ الخبرة؟
يقول آيكينغ نعم، لكن بشرط التخلي عن أسطورة الحياد الكامل. لا ينبغي للخبير أن يدعي أن معرفته ألغت السياسة، ولا للمسؤول أن يختبئ وراء الخبير. تقدم الخبرة تقديرات وقيودًا واحتمالات، بينما تتحمل المؤسسة السياسية مسؤولية الاختيار وتبريره أمام المتأثرين.
يتطلب ذلك إعلان حدود المعرفة ودرجات عدم اليقين، وكشف تضارب المصالح، وتقديم بدائل متعددة بدل توصية واحدة مغلقة، وإشراك خبرات متنوعة لا تنتمي كلها إلى المدارس والمؤسسات نفسها. كما يتطلب فصلًا أوضح بين قول الخبير: «هذا ما نتوقع حدوثه»، وقول المسؤول: «لهذه الأسباب القيمية والسياسية اخترنا هذا المسار».
ليست الديمقراطية أن يصوت الجمهور على حقيقة علمية. لا يصبح تغير المناخ باطلًا إذا رفضته الأغلبية، ولا يصبح الدواء فعالًا بقرار برلماني. لكن تحديد حجم التضحية المطلوبة، ومن يتحملها، وأي مخاطر لها الأولوية، مسائل لا يحسمها المختبر وحده.
الخلاصة
تكمن قوة مقال آيكينغ في رفض خيار زائف: إما حكم الخبراء وإما حكم الجهل. فالخبرة ضرورية للمجتمعات المعقدة، لكنها لا تنتج الشرعية السياسية تلقائيًا. والتكنوقراطية لا تعني أن العلماء استولوا رسميًا على الحكم، بل أن القرار السياسي يتخفى في هيئة نتيجة فنية لا يجوز الاعتراض عليها.
أما نقطة ضعف المقال، فهي أن التمييز بين الخبير ومن يستخدمه أقل وضوحًا مما يفترض، وأن الدعوة إلى المساءلة لا تحل وحدها مشكلة التمثيل في المؤسسات العابرة للحدود. لكنه يضع السؤال الصحيح في مركز النقاش: ليس ما إذا كنا نحتاج إلى الخبراء، بل من يختارهم، وأي أسئلة يطلب منهم الإجابة عنها، ومن يحول إجاباتهم إلى قرارات، ومن يدفع ثمن تلك القرارات.
حين تقول السلطة إن العلم أجبرها على فعل شيء ما، ينبغي ألا يكون ردنا رفض العلم، بل مطالبتها بإظهار اللحظة التي انتهت عندها المعرفة وبدأ اختيارها السياسي.

