أيسر –– قد تنجح الأغنية في الوصول إلى الملايين، ثم تجد نفسها تقول في المجال العام عكس ما أراد صاحبها قوله. يتذكر الناس لازمتها، ويرددون عنوانها، بينما تختفي الحكاية التي منحت كلماتها معناها. عندئذ يستطيع السياسي أن يستعير صوت الفنان، وأن يجعل احتجاجه شاهدًا على نجاح النظام الذي كان ينتقده.
تفتح هذه المفارقة سؤالًا يتجاوز الموسيقى: من يملك معنى العمل الفني بعد خروجه إلى الناس؟ وهل تعني حرية الجمهور في التأويل أن جميع الاستخدامات متساوية في مشروعيتها؟ يتناول برانت إنتريكين (Brant Entrekin) هذه المسألة في فصل عنوانه، بترجمة عربية، «وُلدت في الولايات المتحدة، لكن ليس بهذا المعنى!»، منشور ضمن كتاب «الروك الكلاسيكي والفلسفة: رسائل من الجانب المظلم للقمر» عام ٢٠٢٦.
يحمل الفصل عنوان Born in the USA (No, Not Like That!)، ويطرح فيه إنتريكين مفهوم «اختطاف الفن»: استخدامات وتأويلات متكررة تجعل الرسالة السياسية الأصلية للعمل تضيع أو تنقلب. ويتخذ من أغنية بروس سبرينغستين (Bruce Springsteen)، Born in the U.S.A.، أي «وُلدت في الولايات المتحدة»، مثالًا لهذا التحول.
الوطن في صوت من خذله الوطن
صدرت الأغنية عام ١٩٨٤. ويروي نصها حكاية رجل يُرسل إلى الحرب، ثم يعود ليواجه صعوبة الحصول على العمل والإحباط في التعامل مع الجهة المعنية بالمحاربين القدامى. تظهر فيها خسارة رفيق في فيتنام، وحياة تضيق فيها سبل الخروج. لذلك فإن تكرار إعلان الولادة في الولايات المتحدة يأتي داخل حكاية عن الحرمان والخذلان، لا داخل سرد لانتصارات وطنية.
ويمكن قراءة اللازمة، في هذا السياق، بوصفها مطالبة بالاعتراف: أنا ابن هذا البلد، فما الذي فعله البلد بحياتي؟ يصبح الانتماء سببًا للمساءلة. فمن ينتقد وطنه قد يفعل ذلك لأنه يرى أن الوعود المرتبطة بالمواطنة لم تتحقق، وأن التضحية لم تُقابل بما تستحقه من رعاية.
لكن اللازمة وحدها تستطيع أن تعيش حياة مختلفة. حين تُفصل عن بقية الحكاية، يسهل سماعها إعلانًا للفخر. وتكشف هذه الإمكانية عن هشاشة الفن السياسي: العبارة التي تختصر العمل وتساعد على انتشاره قد تصبح أيضًا الباب الذي يدخل منه تشويه معناه.
في ١٩ أيلول ١٩٨٤، استحضر رونالد ريغان (Ronald Reagan) سبرينغستين في خطاب انتخابي بمدينة هامونتون في نيوجيرسي، رابطًا أغانيه برسالة أمل وبمستقبل أمريكا. لم يسمّ الأغنية في ذلك المقطع، لكنه وضع الفنان داخل سردية انتخابية متفائلة عن البلاد.
تكمن المفارقة في قدرة الخطاب السياسي على الاستفادة من مكانة الفنان من دون الإصغاء إلى الأشخاص الذين تتحدث أعماله عنهم. يُستدعى الصوت المعروف، بينما يصبح ما يقوله عن الألم أقل حضورًا من قيمته بوصفه رمزًا محبوبًا.
لذلك ينبغي أن تمتد المسؤولية إلى من يستخدم الفن ويعيد تقديمه. فالصحفي، والمعلن، ومنظم الحفل، والسياسي، جميعهم يختارون سياقًا يوجّه التلقي. والاختيار الذي يحذف صوت الألم من أغنية عن الألم يحتاج إلى مساءلة، حتى إن بقي اللحن والكلمات كما هما.
متى يصبح التأويل اختطافًا؟
يستند إنتريكين إلى تصور جون ديوي (John Dewey) عن نشوء معنى الفن من تفاعله مع الجمهور. ومن هذا المنظور، يستطيع العمل أن يكتسب دلالات تتجاوز قصد صاحبه. لكنه يلفت إلى الضرر الذي يقع عندما تتحول رسالة الفنان الناقدة إلى أداة تخدم الاتجاه الذي يعارضه، أو تُستولى على رموز حركة سياسية وتُستخدم ضدها.
وتدعونا هذه الفكرة إلى التمييز بين تأويل يكتشف شيئًا في العمل، وتأويل يحتاج إلى إسكات أجزاء منه حتى يستقيم. قد يختلف قارئان في معنى قصيدة مع اعترافهما بكلماتها وتوتراتها. أما اقتطاع عبارة منها وتحويلها إلى تأييد سياسي، مع تجاهل ما ينقض هذا التأييد، فيطرح مشكلة أخرى.
ولعل المعيار العملي هنا هو مقدار ما يستطيع الاستخدام الجديد تحمّله من حضور العمل كاملًا. هل تظل الرسالة التي ينسبها إليه مقنعة إذا استمع الجمهور إلى بقية الأغنية؟ أم أن نجاحها يتوقف على ألّا يسمع الجمهور إلا المقطع المختار؟
هل يجب على الفنان شرح أعماله؟
لا يدعو إنتريكين الفنانين إلى التخلي عن التلميح والمفارقة. ويقترح أن يتحمل الفنان الناشط مسؤولية العناية بالسياق الذي تُستقبل فيه أعماله، من خلال المقابلات، وتصميم الألبوم، والمعلومات المصاحبة له، واختيار أماكن الأداء والمواقف العامة.
وهنا تنشأ معضلة تستحق النقاش: إذا طُلب من الفنان أن يضمن فهم رسالته، فقد يتحول العمل إلى بيان مباشر يفقد بعض قوته. كما أن موازين الانتشار ليست عادلة؛ فقد يمتلك من يوظّف الأغنية منابر أوسع بكثير من قدرة صاحبها على التصحيح.
لذلك ينبغي أن تمتد المسؤولية إلى من يستخدم الفن ويعيد تقديمه. فالصحفي، والمعلن، ومنظم الحفل، والسياسي، جميعهم يختارون سياقًا يوجّه التلقي. والاختيار الذي يحذف صوت الألم من أغنية عن الألم يحتاج إلى مساءلة، حتى إن بقي اللحن والكلمات كما هما.
تتيح هذه الفكرة النظر إلى أناشيد المقاومة وقصائد الحرية وصور المعاناة بسؤال جديد: ماذا يحدث لها عندما تصبح زينة في خطاب لا يمنح أصحابها حق الكلام؟ قد يبقى العمل حاضرًا ومشهورًا، بينما يغيب الذين كان يتحدث باسمهم. وعندئذ يصبح نجاحه في الانتشار مصحوبًا بخسارة قدرته على أن يُسمَع.

