أيسر — قد نعرف عدد البيوت التي دُمّرت، ثم نكتشف أننا لا نعرف شيئًا عن الحياة التي كانت فيها. يثبت السجل موقع المنزل وتاريخ استهدافه، بينما تستعيد الحكاية نافذته، وخلافًا صغيرًا بين ساكنيه، وطريقة انتظارهم لعودة الغائب. يفتح هذا الفرق سؤالًا يتجاوز الأدب: ماذا نفقد عندما تبقى الواقعة موثقة، ويغيب الإنسان الذي عاشها؟ وكيف يستطيع الناجون حماية ذكرياتهم من اختزالها في أرقام؟
تتناول الباحثة بريجيت هيرمانس (Brigitte Herremans) هذا السؤال في دراسة «مقاومة المحو: الأدب الفلسطيني والأرشيفات غير الرسمية»، المنشورة في ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦. وتبحث في قدرة الكتابة الفلسطينية، وخصوصًا المرتبطة بغزة، على حفظ تجارب لا تجد مكانًا كافيًا في السجلات الرسمية. تقترح أن القصائد والروايات واليوميات تدخل في صراع على الذاكرة، وعلى حق الفلسطينيين في تعريف حياتهم ورواية ما أصابهم.
تحمل الورقة عنوان Resisting erasure: Palestinian literature and informal archives [مقاومة المحو: الأدب الفلسطيني والأرشيفات غير الرسمية]، وظهرت في مجلة Memory Studies [دراسات الذاكرة]. وتستند إلى مقابلات أُجريت بين كانون الثاني وآذار ٢٠٢٥ مع أحد عشر كاتبًا فلسطينيًا وثلاثة مختصين بالأدب الفلسطيني. كان سبعة من الكتّاب من غزة، وخمسة منهم يقيمون فيها آنذاك. وتوضح هيرمانس أن اختيار المشاركين مقصود، ولا يمثل مجموع الأدب الفلسطيني.
حين نعود إلى البيت المدمّر، نجد أن الكلمات لا تعيد جدرانه، لكنها تستطيع حفظ ما كان يعنيه لمن عاشوا فيه. وتبقى استعادة المنزل والحقوق مسؤولية تتجاوز الصفحة. أما مسؤولية القارئ فتبدأ بأن يتلقى الحكاية على أنها قول إنسان له اسم وصوت، وأن يحفظ نسبتها وسياقها، ويترك فيها مكانًا لما لا يعرفه. فقد تكون مقاومة المحو، في إحدى صورها، مقاومة سهولة اعتقادنا أننا عرفنا الحكاية كلها.
تبدأ أهمية الدراسة من إعادة النظر في صورة الأرشيف. نتصوره عادةً مستودعًا محايدًا تحفظ فيه الوثائق نفسها، لكن قرارات الجمع والتصنيف والإتاحة تتخذها جهات تملك سلطة. يمكن أن يُسجّل اقتلاع أسرة بوصفه انتقالًا سكانيًا، وأن تُحفظ تفاصيل القرار الإداري وتغيب تجربة من وقع عليهم. تصبح مساءلة الأرشيف مساءلةً لما يحفظه، وللغة التي يرتب بها الوقائع، وللأصوات التي يسمح لها بأن تُسمع.
تقصد هيرمانس بالأرشيفات غير الرسمية أشكال الحفظ التي تنشأ خارج المؤسسات أو استجابةً لقصورها، ومنها الشهادات والصور والروايات الشفوية والكتابة الأدبية. تتداخل فيها الذاكرة الفردية والجماعية، وتتيح لمن تعرضوا للإقصاء إنتاج أثر عن وجودهم. وتتحدد قيمة الأدب داخل هذا المجال بقدرته على إحضار الخبرة الإنسانية إلى المجال العام، وعلى منازعة روايات تبدو مكتملة لأنها لا تترك مساحة لما استبعدته .
يمكن تقريب الفكرة بمثال تخييلي: قد تخبرنا وثيقة أن عائلة نزحت ثلاث مرات، ويصف نص أدبي كيف أصبح أحد أطفالها ينام مرتديًا حذاءه خوفًا من الرحيل التالي. تضيف الحكاية معرفة بما يفعله النزوح بعلاقة الإنسان بالنوم والأمان والبيت. لا تثبت هذه الصورة المتخيلة واقعة بعينها، لكنها توضح نوع السؤال الذي يتيحه الأدب: كيف يدخل الحدث إلى تفاصيل الحياة ويعيد تشكيلها؟
تستحضر الدراسة تجربة رفعت العرعير (Refaat Alareer)، الذي شجع شبانًا من غزة على كتابة خبراتهم، وصولًا إلى مجموعة Gaza Writes Back [غزة ترد بالكتابة]. يتصل هذا المسار بمبادرات ترفض اختزال الفلسطينيين في أعداد. وتستمد هذه الكتابة قوتها من استعادة حياة تسبق لحظة الكارثة وتتجاوزها: الصداقات والطموحات والعادات والمخاوف. فالإنسان الذي يصير خبرًا كان يملك عالمًا لا تكفي صيغة الخبر لاستيعابه.
وهنا ينبغي الحذر من شرط خفي قد ينشأ في القراءة المتعاطفة: أن نطلب قصة مؤثرة كي نعترف بقيمة صاحبها. ليس على الضحية أن تكون شاعرًا أو طالبًا متفوقًا أو شخصية تشبهنا كي تستحق الحماية. تتيح الحكايات معرفة أشخاص حجبهم التجريد، لكن حق من لا نعرف حكايتهم يظل كاملًا. إن استعادة التفرد توسع الاعتراف الأخلاقي، ويجب ألا تتحول إلى امتحان جديد لاستحقاقه.
ويظهر التداخل بين الشخصي والجماعي في مبادرة «عين وذاكرة» التي أطلقتها الشاعرة ضحى الكحلوت (Doha Kahlout)، وأشركت فيها أطفالًا من غزة في الكتابة الإبداعية عن الحرب. تسجل هيرمانس كيف يمكن لهذه النصوص أن تحفظ خبرات الخوف والفقد والتعلق بالمنزل. يستعيد الطفل، عبر اختيار كلماته، قدرًا من القدرة على التعبير عن عالم تتنازعه صور الآخرين وتسمياتهم.
لكن منح الشهادة مساحة لا يعفينا من مسؤولية رعايتها. ويقترح التأمل في هذه المبادرات سؤالًا إضافيًا: من يقرر نشر النص، ولمن يصل، وكيف يُحمى صاحبه من استخدام معاناته خارج سياقها؟ قد يرغب إنسان في حفظ ذكرى لعائلته، دون أن يقصد جعلها مادة متاحة للجميع. يحفظ الأرشيف الأخلاقي أثر المتكلم واختياره معًا، ولا يفترض أن الحاجة العامة إلى المعرفة تلغي خصوصيته.
وتطرح الكتابة عن الحرب مشكلة الحقيقة نفسها. فالقصيدة قد تدمج أزمنة وصورًا وأصواتًا، والرواية قد تبتكر شخصية تتجمع فيها خبرات متعددة. تعترف هيرمانس بالتوتر بين التخييل والتوثيق، وتمنح الأدب دورًا في فهم الضرر دون مساواته بإثبات الوقائع قضائيًا. يساعد هذا التمييز على قراءة النص بحسب طبيعته، وعلى تجنب استخدام الاستعارة شاهدًا حرفيًا أو اتخاذ التخييل ذريعة لإهمال الخبرة التي يستكشفها.
ويمكن توضيح الفرق بالسؤال الذي نوجهه إلى كل نص. نطلب من التحقيق تحديد الفاعل والتوقيت والأدلة، بينما نسأل الرواية كيف يُعاش الانتظار، وكيف يتغير معنى العودة. وقد تستدعي الشهادة الأدبية تحقيقًا أو تحفظ قرائن، لكن انتقالها إلى هذا المجال يتطلب التحقق والتدقيق. تتكامل طرائق المعرفة عندما نحدد قدرات كل منها وحدودها، ونقاوم الاعتقاد بأن تقريرًا واحدًا أو حكاية واحدة يستطيعان استنفاد الحقيقة.
يتصل بذلك خلاف حول واجب الكاتب. تنقل الدراسة عن الشاعرة أسماء عزايزة (Asma Azaizeh) تحفظًا على تحول الشعر السياسي إلى لغة أيديولوجية مباشرة. وتظهر في مقابلاتها أيضًا صعوبة الجمع بين إلحاح الكلام والحاجة إلى مسافة زمنية لاستيعاب الكارثة. فالنص المكتوب أثناء الخطر يحمل ضرورة اللحظة، بينما قد يحتاج عمل آخر إلى سنوات كي يجد لغته وبناءه.
تمنعنا هذه الملاحظة من فرض صورة موحدة للأدب الفلسطيني. يستطيع كاتب أن يواجه السلطة صراحة، ويستطيع آخر أن يكتب عن الحب أو التعب أو الملل. وتشهد هذه الموضوعات بدورها على حياة غنية لا تنحصر في الدور الذي يسنده إليها المتلقي. يصبح الدفاع عن حق الفلسطيني في الكلام ناقصًا إن اشترطنا عليه موضوع الكلام وشكله، أو حصرناه في وظيفة دائمة هي شرح ألمه للآخرين.
ويستحق حضور القارئ الأجنبي في الدراسة انتباهًا خاصًا. فقد بدأ اختيار المشاركين بكتّاب نُشرت أعمالهم في مؤسسات الشمال العالمي. يتيح ذلك بحث شروط الوصول والاعتراف، لكنه يترك خارج العينة تجارب أقل اتصالًا بالترجمة والنشر الدولي. تقر الباحثة بحدود اختيارها؛ ويمكن أن نضيف أن الأصوات المتاحة للبحث قد تختلف عن الأصوات الأكثر تعرضًا للغياب، وعن الذين لم يستطيعوا الكتابة أصلًا.
وتنشأ هنا مفارقة معاصرة بين انتشار النص وحفظه. قد تنتقل قصيدة بسرعة بين آلاف الشاشات، ثم تضيع نسبتها أو سياقها. وهذا امتداد نقترحه لسؤال الورقة: كيف نحول التداول إلى ذاكرة قابلة للرجوع؟ يتطلب ذلك عناية باسم الكاتب وتاريخ النص ونسخته ومصدره، مع احترام ظروف نشره. فالاحتفاء العابر لا يضمن بقاء الأثر، وقد يجعل الحكاية مألوفة بينما يظل صاحبها مجهولًا.
ولا يمنح حفظ الأدب ضمانًا بتحقق العدالة. تستطيع مؤسسة أن تنظم أمسية مؤثرة ثم تواصل ممارسات تتجاهل ما سمعته. لذلك يبقى التمييز ضروريًا بين التعاطف والاعتراف بالحقوق والعمل لحمايتها. يمكن للحكاية أن تزعزع صورة موروثة، وتوسع تصورنا لما يستحق الحداد، لكن تحويل هذا التحول إلى أثر عام يحتاج قرارات ومسؤوليات. لا يصح تحميل الكاتب وحده مهمة قطع المسافة بين التأثر والتغيير.
وتتجاوز الذاكرة، مع ذلك، وظيفة إنقاذ الماضي. فعندما نحفظ مدرسة أو حديقة أو مزحة بين أصدقاء، نحفظ تصورًا للحياة التي يمكن استعادتها أو بناؤها. تبرز الدراسة هذا البعد المتصل بتخيل المستقبل. وتساعدنا الفكرة على فهم المقاومة الثقافية بوصفها إصرارًا على إمكان حياة أوسع من البقاء تحت التهديد؛ حياة يختار الناس تفاصيلها، ويملكون وقتهم وأماكنهم وقدرتهم على البدء من جديد.
تكتسب قراءة هيرمانس قيمتها من الإصغاء إلى الكتّاب وهم يصفون ما يفعلونه، وتظل حدودها مرتبطة بهذه المنهجية. فهي تبحث مقاصد الكتابة وتجارب أصحابها أكثر مما تقيس أثر النصوص في جمهورها أو تحلل بناءها الفني بالتفصيل. يفتح ذلك مجالًا لبحث لاحق في التلقي والترجمة: أي الأصوات تصل؟ وأيها يتغير معناها في الطريق؟ وكيف تؤثر شروط النشر في الذاكرة التي تتشكل؟
حين نعود إلى البيت المدمّر، نجد أن الكلمات لا تعيد جدرانه، لكنها تستطيع حفظ ما كان يعنيه لمن عاشوا فيه. وتبقى استعادة المنزل والحقوق مسؤولية تتجاوز الصفحة. أما مسؤولية القارئ فتبدأ بأن يتلقى الحكاية على أنها قول إنسان له اسم وصوت، وأن يحفظ نسبتها وسياقها، ويترك فيها مكانًا لما لا يعرفه. فقد تكون مقاومة المحو، في إحدى صورها، مقاومة سهولة اعتقادنا أننا عرفنا الحكاية كلها.
المرجع
Herremans, Brigitte. (2026). “Resisting erasure: Palestinian literature and informal archives.” Memory Studies, 19(1), 97–114. DOI: 10.1177/17506980251397895.
النص الكامل .

