أيسر –– يبدو السؤال بسيطًا في ظاهره: ما وظيفة العلم؟ هل هو فقط أن يعرف العالم كما هو، وأن يشرح الظواهر، ويتنبأ بما سيحدث، ويمنحنا أدوات للسيطرة على الطبيعة؟ أم أن للعلم وظيفة أعمق، تتصل بما نريده لأنفسنا وللعالم: الصحة، والكرامة، والعدالة، والحرية، وحماية الكوكب، وتوسيع معنى الحياة الإنسانية؟
ينطلق كتاب Science and Humanism: Knowledge, Values, and the Common Good، الصادر بتحرير الفيلسوف أنجان تشاكرافارتي (Anjan Chakravartty)، من هذا السؤال المركزي. والكتاب ليس مؤلفًا فرديًا، بل مجموعة مقالات لعدد من فلاسفة العلم والمفكرين، تحاول أن تعيد وصل ما انقطع بين العلم والإنسانوية. فالعلم، في صورته الحديثة، صار أحيانًا يبدو وكأنه نشاط محايد تمامًا: ينتج معرفة، يطوّر تقنيات، يراكم حقائق، ثم يترك للمجتمع أو السياسة أو السوق أن يقرر كيف تستخدم هذه المعرفة. أما هذا الكتاب فيقترح أن هذا التصور ناقص. فالعلم ليس نشاطًا معلقًا في الفراغ، بل ممارسة إنسانية واجتماعية، تموَّل وتوجَّه وتطبَّق داخل عالم مليء بالقيم والمصالح والصراعات.
الفكرة الأساسية التي تجمع فصول الكتاب هي أن العلم والإنسانوية كانا، تاريخيًا ومفهوميًا، أكثر ترابطًا مما نتصور اليوم. فالإنسانوية، في معناها العام، ليست مجرد احتفاء أدبي بالإنسان، ولا مجرد موقف ضد الدين كما تختزل أحيانًا، بل هي تصور واسع يرى أن كرامة الإنسان ورفاهه وقدرته على التفكير والعمل يجب أن تكون في قلب فهمنا للعالم. ومن هنا يصبح العلم، بالنسبة إلى النزعة الإنسانوية، أداة كبرى لفهم الطبيعة والمجتمع والذات، وتحسين شروط الحياة. لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى الإنسانوية كي لا يتحول إلى قوة عمياء، أو أداة في يد السوق، أو السياسة، أو الهيمنة، أو التحيز.
يمكن قراءة الكتاب بوصفه دعوة إلى تغيير السؤال. بدل أن نسأل: هل العلم جيد أم سيئ؟ ينبغي أن نسأل: أي علم نريد؟ علم لمن؟ وبأي مؤسسات؟ وبأي ضوابط؟ وبأي علاقة مع القيم الإنسانية؟ العلم ليس ملاكًا ولا شيطانًا. إنه قدرة بشرية عظيمة، لكنها مثل كل قدرة عظيمة تحتاج إلى توجيه ونقد ومساءلة. والإنسانوية، في أفضل صورها، لا تطلب من العلم أن يتخلى عن صرامته، بل أن يتذكر أن الصرامة نفسها يجب أن تخدم حياة أوسع وأعدل وأكثر كرامة.
يؤكد تشاكرافارتي في مقدمة الكتاب أن السؤال لم يعد: هل يفيد العلم الإنسان؟ فالجواب واضح في مجالات الطب والزراعة والطاقة والتكنولوجيا والبيئة. السؤال الأدق هو: كيف نضمن أن يكون العلم موجهًا نحو الخير العام؟ فالعلم يستطيع أن يعالج الأمراض، لكنه يستطيع أيضًا أن يخدم مشاريع تمييزية أو عسكرية أو استغلالية. يستطيع أن يكشف آثار التغير المناخي، لكنه قد يُستخدم أيضًا لتبرير تأجيل الفعل أو لخدمة مصالح صناعية ضيقة. يستطيع أن يطوّر الزراعة، لكنه قد يقصي معارف المجتمعات المحلية والفلاحين والسكان الأصليين. لذلك لا يكفي أن نقول إن العلم «يعرف»؛ يجب أن نسأل أيضًا: لمن يعرف؟ وبأي قيم؟ ولأي غاية؟
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام كبرى. القسم الأول يناقش العلاقة بين المعرفة العلمية وأشكال أخرى من المعرفة والتفكير، مثل الفلسفة والأخلاق والسياسة. هنا تظهر إحدى أهم أفكار الكتاب: الدفاع عن العلم لا يعني الوقوع في «العلموية». والعلموية هي الاعتقاد أن العلم وحده قادر على الإجابة عن كل الأسئلة، وأن كل ما لا يصاغ بلغة العلم التجريبي إما ثانوي أو بلا معنى. يرفض عدد من فصول الكتاب هذا التصور. فالعلم ضروري، لكنه لا يكفي وحده لتحديد القيم. هو يخبرنا بما يحدث، وما قد يحدث، وما الوسائل الممكنة، لكنه لا يقرر وحده ما الذي ينبغي أن نريده. أسئلة مثل العدالة، والكرامة، والمعنى، والأولوية بين المصالح المتعارضة، تحتاج إلى تفكير أخلاقي وفلسفي وسياسي لا يمكن اختزاله في التجربة المختبرية.
غير أن نقد العلموية لا يعني نقد العلم نفسه. وهذه نقطة مهمة في الكتاب. فهناك فرق بين احترام العلم بوصفه من أقوى أدوات المعرفة، وبين تحويله إلى سلطة مطلقة. الإنسانوية التي يدافع عنها الكتاب ليست ضد العلم، بل ضد الغرور العلمي؛ ليست ضد المنهج، بل ضد تحويل المنهج إلى أيديولوجيا مغلقة. فالعلم نفسه يقوم على النقد والمراجعة والتصحيح، ولذلك فإن تصورًا إنسانويًا للعلم يجب أن يكون نقديًا أيضًا، لا أن يردد عبارة «اتبعوا العلم» كأنها تغني عن التفكير في القيم والمؤسسات والسلطة.
القسم الثاني يعود إلى تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة ليبحث عن نماذج ألهمت هذا الربط بين العلم والإنسانوية. من بين هذه النماذج التجريبية المنطقية وحلقة فيينا، وكذلك البراغماتية الأمريكية، خصوصًا عند جون ديوي (John Dewey). ما يهم هنا أن بعض الفلاسفة والعلماء في القرن العشرين لم يروا العلم مجرد مشروع نظري، بل مشروعًا اجتماعيًا أيضًا. كانوا يعتقدون أن المعرفة العلمية يجب أن تساهم في تنظيم الحياة العامة، وتحسين التعليم، ومحاربة الخرافة، وتوسيع إمكانات الديمقراطية، وبناء مؤسسات أكثر عقلانية وعدلًا.
في هذا السياق يستعيد الكتاب ديوي بوصفه مفكرًا ربط العلم بالديمقراطية والتجربة الإنسانية. فالعلم عنده ليس فقط مختبرات ومعادلات، بل طريقة في التفكير العام: اختبار، مراجعة، حوار، تصحيح أخطاء، وتعاون. بهذا المعنى يمكن أن يكون العلم نموذجًا اجتماعيًا، لا لأنه يمنح العلماء سلطة على الناس، بل لأنه يعلمنا كيف نحل المشكلات بطريقة مفتوحة وتشاركية. وهذه الفكرة شديدة الأهمية اليوم، في زمن تتشابك فيه الأوبئة والتغير المناخي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي. لم تعد المشكلات العلمية «علمية فقط»، بل صارت اجتماعية وأخلاقية وسياسية في الوقت نفسه.
أما القسم الثالث فينتقل من النقاش النظري والتاريخي إلى التدخلات العملية. هنا يناقش الكتاب قضايا مثل العدالة في العلم، ودور القيم في البحث العلمي، وموقع النساء والمجموعات المهمشة، والحاجة إلى علم أكثر شمولًا ومسؤولية. واحدة من أقوى الأفكار في هذا القسم أن العلم لم يكن دائمًا بريئًا. فقد شارك، في مراحل كثيرة، في إنتاج تمييز ضد النساء، أو تبرير تصورات عنصرية، أو إقصاء أشكال معرفة محلية وغير غربية، أو خدمة مصالح اقتصادية على حساب فئات أضعف. لكن الكتاب لا يستخدم هذه الوقائع لإدانة العلم ككل، بل ليقول إن العلم يحتاج إلى إصلاح مستمر من الداخل والخارج.
بهذا المعنى، لا يدافع الكتاب عن «تسييس العلم» بمعنى إخضاعه للدعاية أو الأيديولوجيا، بل يدافع عن الاعتراف بأن العلم موجود أصلًا داخل عالم سياسي واجتماعي. تجاهل القيم لا يلغيها، بل يجعلها تعمل في الخفاء. الأفضل إذن أن نكون صريحين: ما القيم التي توجه البحث؟ من يحدد الأولويات؟ من يستفيد من النتائج؟ من يتحمل المخاطر؟ من يُستشار ومن يُستبعد؟ هذه الأسئلة لا تضعف العلم، بل قد تجعله أكثر صدقًا ومسؤولية.
من القضايا اللافتة التي يناقشها الكتاب العلاقة بين العلم والعدالة. فالعدالة لا تعني فقط أن توزَّع فوائد العلم بصورة أوسع، بل أن يشارك المتضررون والمعنيون في تحديد الأسئلة نفسها. في الزراعة مثلًا، لا يكفي أن يأتي خبراء من الخارج بتقنيات جديدة ثم يطلبوا من المجتمعات المحلية تطبيقها. يجب الإصغاء إلى خبرات المزارعين، والسكان الأصليين، والمجتمعات التي تعرف أرضها ومناخها ومشكلاتها. فهناك معارف منظمة وعميقة لا تحمل دائمًا اسم «العلم» بالمعنى الغربي الضيق، لكنها قد تكون ضرورية لفهم الواقع والتصرف فيه.
ولا يتردد الكتاب في معالجة سؤال الدين، لكنه لا يفعل ذلك بطريقة تبسيطية. فهو يوضح أن الإنسانوية المعاصرة غالبًا ما ترتبط بالعلم والعقلانية والنزعة الطبيعية، لكنها ليست بالضرورة عداءً ساذجًا لكل ما هو ديني. المسألة الأهم هي «السلطة المعرفية»: حين يتعارض تفسير علمي قوي مع ادعاء ديني حول العالم الطبيعي، لمن تكون الأولوية؟ الإنسانوية، كما يصوغها الكتاب، تمنح الأولوية للمعرفة الطبيعية والعلمية في فهم العالم. لكن ذلك لا يمنع بعض أشكال الانتماء الديني الثقافي أو الأخلاقي التي لا تصطدم بالعلم. هذه معالجة هادئة، لأنها تميز بين الدين بوصفه مصدرًا للهوية والمعنى، والدين حين يدعي سلطة تفسيرية تنافس العلم في مجاله.
قيمة هذا الكتاب أنه يعيد طرح سؤال قديم بلغة معاصرة: هل يكفي أن نعرف أكثر كي نعيش أفضل؟ الجواب الذي تقترحه فصوله هو: لا. المعرفة شرط أساسي، لكنها ليست ضمانة. فالعلم يمنحنا وسائل هائلة، لكن الوسائل تحتاج إلى غايات. وإذا لم نحدد هذه الغايات بوعي أخلاقي وإنساني، فقد يحددها السوق، أو الدولة، أو المؤسسة العسكرية، أو الشركات الكبرى، أو التحيزات الموروثة. لذلك فإن ربط العلم بالإنسانوية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة في عالم أصبحت فيه قرارات المختبرات ومراكز البحث وشركات التكنولوجيا تؤثر في مصير البشر والكوكب.
ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من تحديات. فهو مجموعة مقالات، لا أطروحة واحدة متماسكة تمامًا، ولذلك قد يشعر القارئ أحيانًا بتعدد الأصوات والاهتمامات. بعض الفصول فلسفي ونظري، وبعضها تاريخي، وبعضها أقرب إلى النقد الاجتماعي. لكن هذا التعدد جزء من طبيعة الموضوع نفسه. فالعلاقة بين العلم والإنسانوية لا يمكن حصرها في تخصص واحد. إنها تقع في منطقة مشتركة بين فلسفة العلم، والأخلاق، والسياسة، والتاريخ، والدراسات الاجتماعية، والنقاشات المعاصرة حول التكنولوجيا والبيئة والعدالة.
يمكن قراءة الكتاب بوصفه دعوة إلى تغيير السؤال. بدل أن نسأل: هل العلم جيد أم سيئ؟ ينبغي أن نسأل: أي علم نريد؟ علم لمن؟ وبأي مؤسسات؟ وبأي ضوابط؟ وبأي علاقة مع القيم الإنسانية؟ العلم ليس ملاكًا ولا شيطانًا. إنه قدرة بشرية عظيمة، لكنها مثل كل قدرة عظيمة تحتاج إلى توجيه ونقد ومساءلة. والإنسانوية، في أفضل صورها، لا تطلب من العلم أن يتخلى عن صرامته، بل أن يتذكر أن الصرامة نفسها يجب أن تخدم حياة أوسع وأعدل وأكثر كرامة.
في النهاية، يقدم Science and Humanism دفاعًا متوازنًا عن العلم من دون تقديسه، وعن القيم من دون فصلها عن المعرفة. إنه كتاب مناسب لكل من يريد أن يفهم لماذا لم تعد الأسئلة العلمية الكبرى اليوم مجرد أسئلة عن الطبيعة، بل صارت أسئلة عن مستقبل الإنسان: الصحة، المناخ، التقنية، العدالة، والمعنى. وربما تكون فكرته الأعمق أن العلم لا يصبح إنسانيًا لمجرد أنه من صنع البشر، بل حين يوجَّه، ويفحص، وينقد، ويعاد تنظيمه، بحيث يخدم الصالح العام لا المصالح الضيقة وحدها.

