أيسر –– يحاول إيمانويل روتن (Emanuel Rutten)، في مقالته «Atomism, Causalism, and the Existence of a First Cause»، أن يقدم برهانًا جديدًا على وجود علّة أولى للواقع، وهو المصطلح الذي يرتبط بوجود خالق للكون. غير أن أهمية المقال لا تكمن فقط في عودته إلى سؤال قديم شغل أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني ولايبنتز، بل في الطريقة التي يعيد بها بناء هذا السؤال من داخل أدوات الفلسفة التحليلية المعاصرة: الميرولوجيا، أي فلسفة الجزء والكل، ونظرية السببية، والحديث عن الأشياء البسيطة والمركبة.
الفكرة الأساسية في المقال تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها في عمقها شديدة الجذرية: إذا كنت تعتقد أن كل شيء مركب يتكون في النهاية من أشياء بسيطة، أي من «ذرّات» بالمعنى الفلسفي لا الكيميائي، وإذا كنت تعتقد أيضًا أن كل موجود إما أن يكون سببًا لشيء آخر أو مسببًا بشيء آخر، فإنك، بحسب روتن، لا تستطيع أن تنكر وجود علّة أولى. هذا لا يعني بالضرورة أن الكاتب يبدأ من فكرة دينية جاهزة ثم يبحث لها عن برهان، بل العكس تقريبًا: إنه يحاول أن يبيّن أن موقفين قد يبدوان قريبين من النزعة الطبيعية أو المادية، أي الذرّية والسببية، قد يفضيان إلى نتيجة ميتافيزيقية ثقيلة: وجود أصل غير مسبَّب للواقع.
يميز روتن بين نوعين من الأشياء: أشياء بسيطة لا تحتوي أجزاء حقيقية، وأشياء مركبة تتكون من أجزاء. الذرّية هنا تعني أن كل مركب، مهما كان معقدًا، ينتهي عند مستوى من البسائط. أما السببية فتعني عنده أن كل موجود لا بد أن يكون داخل نسيج السببية: إما أن يكون قد وُجد بسبب غيره، أو أن يكون هو سببًا في وجود غيره. بهذا المعنى، لا يقبل المقال فكرة موجود معزول تمامًا، لا يؤثر ولا يتأثر، ولا يدخل في أي علاقة سببية.
مع ذلك، يظل المقال مهمًا لأنه يحرك النقاش من مكان مألوف إلى مكان جديد. كثير من براهين العلّة الأولى تبدأ من سؤال: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟ أو: لماذا يوجد الكون؟ أما روتن فيبدأ من سؤال آخر: ما الذي يترتب منطقيًا على قبولنا بأن الأشياء المركبة تقوم على أشياء بسيطة، وأن كل موجود داخل علاقة سببية؟ بهذا المعنى، البرهان ليس وعظًا ميتافيزيقيًا، بل تمرين في إلزام الخصم بنتائج مقدماته. إن كنت تقبل الذرّية والسببية وبعض مبادئ الجزء والكل، فعليك أن تقبل، أو على الأقل أن تأخذ بجدية، فكرة العلّة الأولى.
من هاتين الفكرتين يبني روتن برهانه. يبدأ من القول بوجود أشياء، ثم يقول إن كل مركب ينتهي إلى بسائط، وإن كل شيء له علاقة سببية ما. بعد ذلك يقدم فرضية مهمة: مجموع كل الأشياء البسيطة المسبَّبة، إذا لم يكن فارغًا، هو نفسه شيء أو موضوع. هذه النقطة هي قلب البرهان تقريبًا. فإذا جمعنا كل «البسائط المسبَّبة» في كيان واحد، فلنسَمِّه «م»، فإن هذا الكيان لا يمكن، بحسب الكاتب، أن يكون سببًا لشيء آخر. لماذا؟ لأن أي شيء يسببه سيكون منفصلًا عنه، لكنه إن كان مسبَّبًا فسيحتوي في النهاية على بسيط مسبَّب، وهذا البسيط سيكون أصلًا جزءًا من «م». وهنا يقع التناقض: الشيء المفترض أنه منفصل عن «م» يشترك معه في جزء.
إذا كان «م» لا يسبب شيئًا، وبما أن كل شيء إما سبب أو مسبَّب، فلا بد إذن أن يكون «م» مسبَّبًا. لكن ما سبب «م»؟ يسمي الكاتب هذا السبب «أ». ثم يجادل بأن «أ» لا يمكن أن يكون هو نفسه مسبَّبًا؛ لأنه لو كان مسبَّبًا لاحتوى، بحسب الذرّية، على بسيط مسبَّب، وهذا البسيط سيكون جزءًا من «م»، في حين أن السبب يجب أن يكون منفصلًا عن المسبَّب. وبذلك يصل روتن إلى النتيجة: هناك سبب غير مسبَّب هو سبب مجموع كل البسائط المسبَّبة، ومن ثم هو العلّة الأولى.
قوة المقال أنه لا يعتمد على «مبدأ العلة الكافية» بصيغته اللايبنتزية الشهيرة، أي فكرة أن لكل حقيقة تفسيرًا كافيًا. كما أنه لا يستخدم مفاهيم الإمكان والضرورة والوجود الواجب والوجود الممكن، وهي مفاهيم أثارت جدلًا طويلًا في براهين وجود الله أو العلّة الأولى. روتن يريد أن يقول إن برهانه أكثر اقتصادًا: لا يحتاج إلى أن نسأل هل العالم ممكن أم ضروري، ولا هل كل حقيقة تحتاج إلى تفسير، بل يكفي أن نقبل مبادئ معينة حول الأجزاء، والتركيب، والسببية.
لكن هذا الاقتصاد الظاهري لا يعني أن البرهان بلا كلفة فلسفية. فالمقال يعتمد على مقدمات ليست بديهية تمامًا. من أهمها أن مجموع كل البسائط المسبَّبة هو نفسه «شيء». هذه ليست مسألة سهلة. هل كل مجموع من الأشياء يصبح شيئًا؟ روتن لا يقبل ذلك، لأنه يرفض «التركيب غير المقيد»، أي الفكرة القائلة إن أي مجموعة عشوائية من الأشياء تكوّن شيئًا جديدًا. لكنه يريد في الوقت نفسه أن يقول إن مجموع البسائط المسبَّبة ليس مجموعة عشوائية، بل ينتمي إلى نوع طبيعي محدد. لذلك يرى أن جمعها في كلّ واحد مبرر فلسفيًا.
هنا يمكن للقارئ أن يتوقف. هل «البسائط المسبَّبة» نوع طبيعي فعلًا مثل الماء أو الذهب أو الإلكترونات؟ أم أنها فئة صاغها البرهان نفسه لكي يحتاج إليها؟ هذه نقطة حساسة. فكلما بدا هذا المجموع مصطنعًا، ضعف البرهان. وكلما اقتنعنا بأنه نوع محدد في بنية الواقع، ازداد البرهان قوة. كذلك، يعتمد المقال على فرضية أن سبب الشيء يجب أن يكون منفصلًا عنه تمامًا، لا يشترك معه في جزء. هذه فرضية معقولة في سياق الحديث عن سبب وجود الشيء، لكنها قد تصبح أكثر تعقيدًا إذا فكرنا في حالات السببية الداخلية، أو التنظيم الذاتي، أو نشوء الكائنات الحية من عمليات داخلية متداخلة.
مع ذلك، يظل المقال مهمًا لأنه يحرك النقاش من مكان مألوف إلى مكان جديد. كثير من براهين العلّة الأولى تبدأ من سؤال: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟ أو: لماذا يوجد الكون؟ أما روتن فيبدأ من سؤال آخر: ما الذي يترتب منطقيًا على قبولنا بأن الأشياء المركبة تقوم على أشياء بسيطة، وأن كل موجود داخل علاقة سببية؟ بهذا المعنى، البرهان ليس وعظًا ميتافيزيقيًا، بل تمرين في إلزام الخصم بنتائج مقدماته. إن كنت تقبل الذرّية والسببية وبعض مبادئ الجزء والكل، فعليك أن تقبل، أو على الأقل أن تأخذ بجدية، فكرة العلّة الأولى.
ويمكن أن نقرأ المقال أيضًا بوصفه محاولة لعكس التوقعات. فالذرّية كثيرًا ما ارتبطت في تاريخ الفلسفة بنزعات مادية، من ديمقريطس وأبيقور إلى تصورات علمية حديثة ترى العالم مركبًا من وحدات أولية. والسببية كذلك تبدو قريبة من التصور الطبيعي للعالم، حيث لا مكان للمعجز أو الخارج عن النظام. لكن روتن يحاول أن يقول إن هذين الموقفين، بدل أن يستبعدا العلّة الأولى، قد يقودان إليها. وهذا ما يمنح المقال طابعه المفارق: الطريق إلى العلّة الأولى لا يمر هنا عبر نفي العالم الطبيعي، بل عبر أخذ بعض افتراضاته على محمل الجد.
في المحصلة، يقدم روتن مقالة دقيقة ومكثفة، تحتاج إلى قارئ صبور بسبب لغتها التقنية، لكنها تثير سؤالًا فلسفيًا واضحًا: هل يمكن بناء ميتافيزيقا للعلّة الأولى من داخل فلسفة الأجزاء والكلّيات؟ الجواب عنده نعم، بشرط أن نقبل جملة من المقدمات حول التركيب والسببية. أما القارئ غير المقتنع، فلن يكون اعتراضه الأقوى على النتيجة النهائية مباشرة، بل على الطريق إليها: هل كل مركب ينتهي حقًا إلى بسائط؟ هل كل موجود داخل السببية؟ وهل مجموع البسائط المسبَّبة كيان حقيقي لا مجرد اختراع منطقي؟ هنا بالضبط تكمن قيمة المقال: إنه لا يغلق النقاش، بل يعيد ترتيبه على نحو أكثر صرامة.

