هل نخجل من الآلة لأنها أصبحت أفضل منا؟

أيسر–– يكتب شخص رسالةً بعناية، ثم يطلب من برنامج أن يعيد صياغتها. بعد ثوانٍ، تظهر نسخة أكثر ترتيبًا وإقناعًا. قد يفرح لأنه وجد أداة تساعده، وقد يشعر بوخزة خفية: إذا كانت الآلة تكتب ما أراد قوله على نحو أفضل، فأين تكمن قيمته هو؟ هذه الوخزة تقرّبنا من فكرة «الخجل البروميثي» التي صاغها الفيلسوف الألماني غونتر […]

لجم القانون عن تجريم أفعال ليست بخطورة الجريمة

أيسر  –– نحن لا ننتظر القانون كي يخبرنا بأن القتل والسرقة والاعتداء أفعال خاطئة. تبدو هذه الأفعال جديرة بالإدانة قبل أن يفتح المشرّع كتاب العقوبات ويضع إلى جانبها عقوبة محددة. لكن الأمر لا يكون بهذه البساطة دائمًا. فماذا عن قيادة سيارة بلا رخصة، أو عدم تقديم نموذج إداري في موعده، أو بيع سلعة من دون […]

هل يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحق في الصحة؟

أيسر  –– لم يعد السؤال المتعلق بالذكاء الاصطناعي الطبي مقتصرًا على دقة الخوارزميات أو قدرتها على اختصار الوقت الذي يحتاج إليه الطبيب لتشخيص المرض. فقد ظهر سؤال أكثر جرأة: إذا استطاعت هذه التقنية أن تنقذ أرواحًا، وتحسّن العلاج، وتوصل الرعاية إلى مناطق تفتقر إلى الأطباء، فهل يصبح توفيرها التزامًا على الدولة، لا مجرد خيار تقني […]

هل نخجل من الآلة لأنها أصبحت أفضل منا؟

أيسر–– يكتب شخص رسالةً بعناية، ثم يطلب من برنامج أن يعيد صياغتها. بعد ثوانٍ، تظهر نسخة أكثر ترتيبًا وإقناعًا. قد يفرح لأنه وجد أداة تساعده، وقد يشعر بوخزة خفية: إذا كانت الآلة تكتب ما أراد قوله على نحو أفضل، فأين تكمن قيمته هو؟ هذه الوخزة تقرّبنا من فكرة «الخجل البروميثي» التي صاغها الفيلسوف الألماني غونتر […]

لجم القانون عن تجريم أفعال ليست بخطورة الجريمة

أيسر  –– نحن لا ننتظر القانون كي يخبرنا بأن القتل والسرقة والاعتداء أفعال خاطئة. تبدو هذه الأفعال جديرة بالإدانة قبل أن يفتح المشرّع كتاب العقوبات ويضع إلى جانبها عقوبة محددة. لكن الأمر لا يكون بهذه البساطة دائمًا. فماذا عن قيادة سيارة بلا رخصة، أو عدم تقديم نموذج إداري في موعده، أو بيع سلعة من دون […]

هل يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحق في الصحة؟

أيسر  –– لم يعد السؤال المتعلق بالذكاء الاصطناعي الطبي مقتصرًا على دقة الخوارزميات أو قدرتها على اختصار الوقت الذي يحتاج إليه الطبيب لتشخيص المرض. فقد ظهر سؤال أكثر جرأة: إذا استطاعت هذه التقنية أن تنقذ أرواحًا، وتحسّن العلاج، وتوصل الرعاية إلى مناطق تفتقر إلى الأطباء، فهل يصبح توفيرها التزامًا على الدولة، لا مجرد خيار تقني […]

حين يخرج الأقوياء من القانون: هل تصبح غزة مختبرًا لخصخصة النظام الدولي؟

أيسر –– تقترح الباحثة الفلسطينية الأميركية نورة عريقات قراءة تتجاوز الجدل المباشر حول خطط إدارة غزة وإعادة إعمارها. ففي مقالها «الخروج والاستثناء»، لا تنظر إلى «مجلس السلام» باعتباره ترتيبًا سياسيًا مؤقتًا فحسب، بل بوصفه نموذجًا محتملاً لنظام حكم يستطيع فيه أصحاب القوة والمال تجاوز القانون الدولي، ثم إنشاء مؤسسات بديلة تعمل وفق قواعد يضعونها بأنفسهم.

نُشر مقال Exit and Exception  في مجلة Boston Review  في 24 سبتمبر/أيلول 2026. وعريقات أستاذة وحقوقية متخصصة في القانون الدولي والقضية الفلسطينية، وصاحبة كتاب Justice for Some: Law and the Question of Palestine  «عدالة للبعض: القانون وقضية فلسطين». وقد قُدّمت نسخة من المقال أصلًا في محاضرة إدوارد سعيد لعام 2026 في جامعة برنستون.

من «الصوت» إلى «الخروج»

تستعير عريقات إطارها النظري من عالم الاقتصاد السياسي ألبرت هيرشمان (Albert Hirschman)، الذي ميّز في كتابه Exit, Voice, and Loyalty  «الخروج والصوت والولاء» بين استجابتين رئيستين للاستياء من مؤسسة ما: أن يستخدم الفرد أو الجماعة «الصوت» للاعتراض ومحاولة الإصلاح من الداخل، أو أن يختار «الخروج» منها والبحث عن بديل.

كان هيرشمان يفكر أساسًا في الشركات والدول وهروب رؤوس الأموال، لكن عريقات توسّع المفهوم ليشمل القانون الدولي نفسه. فالقوى الكبرى، بحسبها، لا تحاول دائمًا تغيير المؤسسات التي تقيّدها؛ قد تنشئ مؤسسات جديدة تتجاوز تلك القيود تمامًا. وبهذا المعنى، لا يكون «الخروج» انسحابًا من النظام القائم فحسب، بل بناء نظام موازٍ يستطيع الأقوياء التحكم في قواعده وعضويته وآليات مساءلته.

تضع عريقات «مجلس السلام» المقترح لإدارة غزة ضمن هذا السياق. فهو، كما تعرضه، هيئة انتقائية العضوية، تقودها سلطة تنفيذية ضيقة، ولا يمثل الفلسطينيون فيها بوصفهم شعبًا يتمتع بحق تقرير المصير. وبدل أن تخضع إدارة غزة لقواعد الاحتلال والقانون الإنساني الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، يمكن أن تتحول إلى مشروع إداري واستثماري تُقاس نجاحاته بسرعة الإعمار وحجم التمويل والعائد الاقتصادي.

المشكلة هنا ليست في إعادة الإعمار ذاتها، بل في السؤال عمّن يحدد شكل الحياة التي ستُعاد إقامتها، ولمن تُبنى المدن، ومن يمتلك الأرض، وأي حقوق يتمتع بها سكانها. فالكفاءة، كما تفهمها السوق، لا تساوي الشرعية السياسية أو القانونية.

لا تقدم عريقات دفاعًا ساذجًا عن النظام الدولي القائم؛ فهي تعرف أن هذا النظام أخفق مرارًا في حماية الفلسطينيين. لكنها تحذر من أن الرد على فشله لا ينبغي أن يكون إنشاء نظام أشد انتقائية، تتحول فيه الحصانة من انحراف عن القانون إلى مبدأ تأسيسي للحكم.

الاستثناء بوصفه طريقة للحكم

يرتبط «الخروج» في حجة عريقات بمفهوم آخر هو «الاستثناء»: إنشاء مساحة جغرافية أو سياسية تُعطّل داخلها القواعد التي يفترض أن تسري على الجميع. وقد عرف العالم صورًا مختلفة من هذه المساحات، مثل المناطق الاقتصادية الخاصة، والملاذات الضريبية، والمناطق الحرة، والمشروعات التي تطمح إلى إقامة مدن خاصة أو «دول شبكية» تديرها النخب التكنولوجية والاستثمارية.

ما يجمع هذه المشروعات هو الرغبة في التحرر من أعباء الديمقراطية والضرائب والتنظيم والمساءلة. لكن الحالة الفلسطينية أخطر، بحسب المقال، لأن الاستثناء لا يُنشأ في أرض خالية أو باتفاق مواطنيها، بل فوق مجتمع تعرض للدمار والاقتلاع وحُرم من القدرة على تقرير مستقبله.

وتشير عريقات إلى أن الحديث عن غزة بلغة العقارات والسواحل والفرص الاستثمارية يحوّل السكان من شعب ذي حقوق سياسية وتاريخية إلى مجموعة بشرية تحتاج إلى الإدارة والإغاثة والعمل والسكن. وبهذه النقلة اللغوية، تُستبدل قضية تقرير المصير بمشكلة تقنية: كيف نطعم السكان، وأين نسكنهم، وكيف نراقبهم، ومن يمول البنية التحتية؟

إنها، في نظرها، عودة إلى منطق استعماري قديم بثوب إداري جديد: الاعتراف بوجود السكان جسديًا، مع إنكار وجودهم بوصفهم شعبًا قانونيًا وسياسيًا.

هل تبالغ عريقات في توحيد ظواهر مختلفة؟

تكمن قوة المقال أيضًا في موضع ضعفه الأساسي. فعريقات تجمع تحت مفهوم «الخروج» مؤسسات وظواهر متباينة: المناطق الاقتصادية الحرة، وصناديق الثروة السيادية، ومشروعات المدن الخاصة، ورأس المال التكنولوجي، والتطبيع الاقتصادي، ومجلس دولي لإدارة منطقة نزاع.

ثمة تشابه واضح بينها: تجاوز المؤسسات العامة، وتقليص المساءلة، وإخضاع السياسة لمنطق الاستثمار والكفاءة. لكن التشابه البنيوي لا يثبت بالضرورة أن هذه الظواهر أجزاء من مشروع عالمي واحد أو أنها تتحرك تحت قيادة سياسية متجانسة.

قد يكون «مجلس السلام» أداة ظرفية مرتبطة بتوازنات الحرب والسياسة الأميركية، لا النموذج الأول لنظام عالمي جديد. وقد يفشل نتيجة تضارب مصالح أعضائه، أو نقص التمويل، أو رفض المجتمع الدولي والفلسطينيين له. وتعترف عريقات بأن قدرته على منافسة الأمم المتحدة ما تزال احتمالًا، لا حقيقة مكتملة.

كذلك، لا يكفي وصف مؤسسة ما بأنها استثنائية لإثبات أن النظام القانوني القائم كان نزيهًا وعادلًا قبل ظهورها. فالقانون الدولي نفسه لم يعمل تاريخيًا بالتساوي بين الدول والشعوب، وكانت القوى الكبرى قادرة على تعطيله أو تفسيره انتقائيًا من داخله، دون الحاجة إلى «الخروج» منه. وربما يكون ما نشهده استمرارًا لتفاوت قديم في القوة أكثر منه انتقالًا إلى نظام جديد كليًا.

لكن هذا الاعتراض لا يهدم حجة عريقات. بل يدفع إلى صياغتها بدقة أكبر: الجديد ليس إفلات الأقوياء من القانون، فهذا قديم؛ الجديد المحتمل هو تحويل الإفلات نفسه إلى مؤسسات دائمة تحمل لغة قانونية وإدارية، وتعرض السيادة والحقوق بوصفهما عائقين أمام السرعة والاستثمار.

لماذا تتجاوز القضية حدود فلسطين؟

تكشف غزة، في هذه القراءة، عن تحول أوسع في معنى الحكم. فإذا أصبحت الشركات والمستثمرون والهيئات الانتقائية قادرة على إدارة الأرض والسكان، فما الذي يميز السلطة العامة عن إدارة مشروع تجاري؟ وإذا أمكن استبدال القانون الدولي بهيئة توصف بأنها أكثر «مرونة وفعالية»، فمن يحدد معنى السلام والفعالية، ومن يحاسب الجهة التي تفشل أو تنتهك الحقوق؟

لطالما بررت أنظمة الاستثناء نفسها بالطوارئ. فهي تبدأ بوصفها تدبيرًا مؤقتًا لمواجهة أزمة أمنية أو اقتصادية، ثم تتحول إلى بنية حكم مستقرة. والخطر الذي ترصده عريقات هو أن يصبح الدمار شرطًا لإنشاء هذه البنية: تُدمّر المؤسسات المحلية، ثم يُستدل بعجزها على ضرورة إحلال إدارة خارجية خاصة محلها.

وهنا تكتسب القضية أهميتها الفلسفية والقانونية. فالشرعية لا تنشأ من قدرة السلطة على البناء وتقديم الخدمات وحدها. قد تكون الإدارة فعالة، لكنها غير شرعية إذا استبعدت أصحاب الأرض من تقرير مصيرهم، أو منحت نفسها حصانة من المساءلة، أو عاملت الحقوق باعتبارها تكاليف تعوق الاستثمار.

فلسطين ومعيار مستقبل القانون

لا تقدم عريقات دفاعًا ساذجًا عن النظام الدولي القائم؛ فهي تعرف أن هذا النظام أخفق مرارًا في حماية الفلسطينيين. لكنها تحذر من أن الرد على فشله لا ينبغي أن يكون إنشاء نظام أشد انتقائية، تتحول فيه الحصانة من انحراف عن القانون إلى مبدأ تأسيسي للحكم.

السؤال الذي يتركه المقال يتجاوز مصير هيئة بعينها: هل يكون القانون نظامًا عامًا يخضع له الجميع، أم خدمة يستطيع الأقوياء الانسحاب منها عندما تعوق مصالحهم؟

إذا قُبل إنشاء مناطق يُدار سكانها خارج الحقوق والتمثيل والمساءلة، فلن يبقى الاستثناء محصورًا في غزة. سيصبح سابقة قابلة للتطبيق حيثما اجتمع الدمار مع ضعف السيادة وإغراء الاستثمار. ومن هنا تأتي خلاصة عريقات الأكثر قوة: قد تكون فلسطين المكان الذي يظهر فيه مستقبل النظام العالمي قبل أن يصل إلى بقية العالم.

المقال الأصلي في Boston Review

الأكثر شيوعاً

الزمن في الفلسفة الإسلامية: من الأزل إلى القيامة
الصوفي الفيلسوف ابن مسرّة الاندلسي: شخصية غامضة، علم غامض وأثر لم يندثر تماما
الرواقية: فلسفة الحكمة والسكينة في مواجهة تقلبات الحياة

مقالات ذات صلة

witness
هل يكفي أن نشهد الألم كي نفهمه؟
die
هل يصنع الخوف من الموت أحلام الإمبراطورية؟ ويتمان بين الديمقراطية والخلود
utopia book
هل الواقعية السياسية اسم آخر للاستسلام؟ «يوتوبيا لقرننا» والدفاع عن الأمل

عن المنصة

تواصل معنا

منصة رقمية تُعنى بتقريب الفلسفة وتبسيط أفكارها لكل قارئ.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة أيسر ©  2026

اشترك في النشرة الإخبارية 
لتصلك أحدث الاخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني