أيسر –– قد يحكي إنسان مأساته كاملة، ويخرج من الحكاية أكثر وحدة. يسمعه الآخرون، لكنهم يسارعون إلى تفسيره أو نصحه أو الحكم عليه، فيشعر أن الكلمات التي كان يرجو أن تقرّبه منهم جعلته أشد اغترابًا. فهل تكمن المشكلة في عجزه عن التعبير، أم في طريقتنا في الإصغاء؟ وهل يمكن أن نزيد ألم شخص ونحن مقتنعون بأننا نفهمه؟
هذا المأزق هو أحد المداخل إلى كتاب «التراجيديا والشاهد: شكسبير وما بعده»، للباحث البريطاني فريد باركر (Fred Parker). ينقل الكتاب الاهتمام من الشخصية التي تعاني إلى العلاقة التي تربطها بمن يشاهد معاناتها أو يستمع إليها: ماذا يستطيع هذا الآخر أن يفعل؟ ومتى تتحول روايته لحكايتها إلى خيانة لها؟
صدر الكتاب بعنوان Tragedy and the Witness: Shakespeare and Beyond عن «أوبن بوك بَبليشرز» في نيسان 2025، وهو متاح كاملًا بالوصول المفتوح. يقرأ باركر أعمالًا لوليم شكسبير (William Shakespeare) وكتّاب آخرين، مستعينًا بالنقد الأدبي والتحليل النفسي. ويوضح منذ البداية أن موضوعه الأساسي هو الشهادة داخل المسرح التراجيدي، وليس وضع نظرية مباشرة لشهادات الحروب والكوارث الواقعية؛ وإن كانت أسئلته تتيح التفكير في تلك الشهادات أيضًا.
حين يخوننا من يسمعنا
يبدأ باركر من فيدرا ومربيتها في مسرح يوربيديس (Euripides). تواجه المربية اعترافًا يصعب احتماله، فتتأرجح بين الفزع الأخلاقي ومحاولة جعل الأمر مألوفًا يمكن تدبيره. وفي الحالتين تظهر مشكلة الإصغاء: فقد نرفض تجربة الآخر لأنها تصدمنا، وقد نسارع إلى تفسيرها بطريقة تزيل عنها كل ما يجعلها خاصة ومؤلمة.
في قراءة باركر، يحتاج الشاهد إلى أداء مهمة مزدوجة: الاقتراب من التجربة الاستثنائية للمتألم، والإبقاء على صلتها بعالم يمكن تقاسمه مع الآخرين. فلا ينفع الوقوف بعيدًا عنها، ولا يكفي الانغماس فيها إلى حد فقدان المسافة الضرورية لفهمها.
يمكن تقريب هذه الفكرة من حياتنا اليومية: حين يقول شخص إنه فقد معنى حياته بعد خسارة، قد نجيبه بأن الجميع يتعرضون للخسارة. العبارة صحيحة على مستوى عام، لكنها قد تغلق الحديث بدل أن تفتحه. فما يطلبه ربما ليس معلومة عن شيوع المصائب، بل اعترافًا بما حدث له هو، وبما تغيّر في عالمه.
تنبع قيمة الكتاب من دقته في مساءلة فعل يبدو بريئًا: أن نشاهد ونسمع ونروي. لكنه يفتح أيضًا بابًا للاعتراض. فالتركيز على العلاقة بين المتألم والشاهد قد يترك المؤسسات والقوى السياسية المنتجة للألم في الخلفية. وباركر نفسه يتنبه في مقدمته إلى هذا الاحتمال، ويؤكد ضرورة وصل العالم الداخلي بالعالم المشترك.
من يملك حكاية الإنسان؟
تتضح الحاجة إلى الشاهد في طلب هاملت من هوراشيو أن يروي حكايته بعد موته. يصبح مصير الإنسان مرتبطًا بما سيقوله الآخرون عنه، وبقدرتهم على حفظ شيء من تعقيده. ويتتبع باركر هذه الحاجة لدى شخصيات أخرى، مثل عطيل وريتشارد الثاني، تواجه نهايتها وهي منشغلة بكيفية رواية حياتها.
ويربط الكتاب الإصغاء بفكرة استقبال الغريب. فالآخر قد يحمل تجربة بعيدة عن خبرتنا، كما تستمع ديدمونة إلى حياة عطيل المختلفة جذريًا عن حياتها. وفهمه يقتضي إفساح مكان لهذه الغرابة، دون اشتراط أن يتحول إلى نسخة مألوفة منا.
غير أن الحكاية نفسها قد تصبح مصدر أذى. يناقش باركر كيف تختزل نظرة الآخرين شخصيات تراجيدية داخل تفسيرات تبدو واثقة وموضوعية. ويناقش أيضًا خطرًا مقابلًا: أن يمنح الشاهد الشخصية صورة استثنائية عن نفسها، فتدفعها تلك الصورة إلى أفعال مدمرة. ليست كل حكاية متعاطفة أمينة، ولا كل تأكيد لعظمة المتألم مساعدة له.
هل لكل ألم ذنب يفسره؟
يتناول الكتاب ميلًا آخر إلى تنظيم المعاناة داخل قصة مفهومة: ارتكب الإنسان خطأ، فجاءه العقاب. تمنح هذه الصيغة الألم سببًا، وتوحي بأن العالم تحكمه آلية للعدالة. لكن التراجيديا، كما يقرأها باركر، تستخدم هذه القصة وتزعزعها في الوقت نفسه.
يناقش هذا السؤال عبر أعمال منها «المحاكمة» لفرانس كافكا (Franz Kafka)، و«فيدرا» لجان راسين (Jean Racine). ويقابلها بمسرحية «مولورا» لياعيل فاربر (Yaël Farber)، التي تتيح التفكير في الشهادة بوصفها مدخلًا إلى إعادة كتابة حكاية الانتقام، بدل التسليم بأن العقاب المتبادل قدر لا مفر منه.
ومن هذه المناقشة يمكن اشتقاق سؤال يتجاوز المسرح: حين نفسّر مصيبة إنسان بالبحث فورًا عن خطئه، هل نسعى إلى فهم ما جرى، أم إلى حماية اعتقادنا بأن المصائب تقع دائمًا لأسباب عادلة؟ هذا امتداد ممكن لفكرة الكتاب، وليس حكمًا بأن كل تفسير للمسؤولية ظلم للمتألم.
الإصغاء إلى ما يصعب فهمه
يبلغ البحث إحدى أكثر مناطقه حساسية عند تناول الجنون في المسرح. يدرس باركر كيف تمنح أعمال شكسبير وصمويل بيكيت (Samuel Beckett) وسارة كين (Sarah Kane) حضورًا لتجارب يصعب على المحيطين بالشخصية فهمها. فالمسرح يستطيع أن يجعلنا نعايش شيئًا من عالمها الداخلي، مع إبقاء العالم الخارجي حاضرًا.
وتحتل «الملك لير» موقعًا مركزيًا في هذا المسار، خصوصًا في الصلة بين الانهيار والفقد والحزن. تصبح استجابة الجمهور جزءًا من السؤال: كيف نشهد ألمًا لا نستطيع إصلاحه، ولا اختزاله في تفسير يريحنا؟
ما الذي تمنحه لنا هذه القراءة؟
تنبع قيمة الكتاب من دقته في مساءلة فعل يبدو بريئًا: أن نشاهد ونسمع ونروي. لكنه يفتح أيضًا بابًا للاعتراض. فالتركيز على العلاقة بين المتألم والشاهد قد يترك المؤسسات والقوى السياسية المنتجة للألم في الخلفية. وباركر نفسه يتنبه في مقدمته إلى هذا الاحتمال، ويؤكد ضرورة وصل العالم الداخلي بالعالم المشترك.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى معنا بعد هذه القراءة هو: عندما نروي ألم إنسان، هل يستطيع أن يتعرف إلى نفسه في روايتنا؟ أم أننا جعلنا حكايته أكثر وضوحًا لنا، بثمن هو اختفاؤه منها؟
المصدر: فريد باركر، Tragedy and the Witness: Shakespeare and Beyond، أوبن بوك بَبليشرز، 2025. الكتاب متاح للقراءة والتنزيل مجانًا.

