هل تستطيع الفيزياء أن تفسّر كل شيء؟ كارلو روفيلي وحدود المعرفة

أيسر –– قد نعرف ممَّ يتكوّن الشيء، ونظل عاجزين عن فهمه. فمعرفة العناصر التي يتكوّن منها جسد الإنسان لا تخبرنا وحدها لماذا يحبّ أو يخاف، ووصف الحبر والورق لا يكشف معنى القصيدة. بين معرفة المكوّنات وفهم ما تصنعه فجوةٌ تستحق التأمل: هل يكفي الوصول إلى أصغر أجزاء العالم لنمتلك أكبر تفسير له؟ في كتابه «في […]

حين تتنكر السياسة في ثياب العلم: من يحكم العالم، الخبراء أم الذين يستخدمونهم؟

أيسر–– عندما يطلب صندوق النقد الدولي من دولة خفض الإنفاق أو رفع الضرائب، أو توصي منظمة صحية بإغلاق المدارس والحدود، أو تحدد وكالة دولية شروط الحصول على المساعدات، تبدو القرارات غالبًا كأنها نتائج فنية توصل إليها الخبراء. لكن هل تقول الخبرة فعلًا ما يجب فعله، أم إنها تحدد ما يمكن فعله، ثم يتولى مسؤولون غير […]

هل نحتاج إلى اليقين كي نحيا؟ الفلسفة في «الظلام المضيء»

أيسر –– ماذا يفعل الإنسان عندما تعجز الأفكار التي اطمأن إليها عن مواساته؟ قد نعرف كيف نفسّر الألم، ونظل عاجزين عن احتماله. وقد نملك حججًا متماسكة عن معنى الحياة، ثم تأتي تجربة شخصية تجعل تلك الحجج بعيدة عن حاجتنا الفعلية. عند هذه العتبة يظهر سؤال يتجاوز البحث عن الإجابة الصحيحة: كيف نحيا عندما لا نعرف؟ […]

هل تستطيع الفيزياء أن تفسّر كل شيء؟ كارلو روفيلي وحدود المعرفة

أيسر –– قد نعرف ممَّ يتكوّن الشيء، ونظل عاجزين عن فهمه. فمعرفة العناصر التي يتكوّن منها جسد الإنسان لا تخبرنا وحدها لماذا يحبّ أو يخاف، ووصف الحبر والورق لا يكشف معنى القصيدة. بين معرفة المكوّنات وفهم ما تصنعه فجوةٌ تستحق التأمل: هل يكفي الوصول إلى أصغر أجزاء العالم لنمتلك أكبر تفسير له؟ في كتابه «في […]

حين تتنكر السياسة في ثياب العلم: من يحكم العالم، الخبراء أم الذين يستخدمونهم؟

أيسر–– عندما يطلب صندوق النقد الدولي من دولة خفض الإنفاق أو رفع الضرائب، أو توصي منظمة صحية بإغلاق المدارس والحدود، أو تحدد وكالة دولية شروط الحصول على المساعدات، تبدو القرارات غالبًا كأنها نتائج فنية توصل إليها الخبراء. لكن هل تقول الخبرة فعلًا ما يجب فعله، أم إنها تحدد ما يمكن فعله، ثم يتولى مسؤولون غير […]

هل نحتاج إلى اليقين كي نحيا؟ الفلسفة في «الظلام المضيء»

أيسر –– ماذا يفعل الإنسان عندما تعجز الأفكار التي اطمأن إليها عن مواساته؟ قد نعرف كيف نفسّر الألم، ونظل عاجزين عن احتماله. وقد نملك حججًا متماسكة عن معنى الحياة، ثم تأتي تجربة شخصية تجعل تلك الحجج بعيدة عن حاجتنا الفعلية. عند هذه العتبة يظهر سؤال يتجاوز البحث عن الإجابة الصحيحة: كيف نحيا عندما لا نعرف؟ […]

هل تستطيع البشرية إنقاذ الكوكب من دون وصيّ غربي؟
أسئلة المناخ والتنمية لا تزال بلا إجابات بعد عقود من «رؤية باربرا وارد»

أسئلة المناخ والتنمية لا تزال بلا إجابات بعد عقود من «رؤية باربرا وارد»

أيسر –– قبل أن تصبح «العدالة المناخية» مصطلحًا متداولًا بعقود، ربطت المفكرة والاقتصادية البريطانية باربرا وارد بين ثلاثة أهداف اعتاد الفكر السياسي معالجتها منفصلة: القضاء على الفقر، وتحقيق قدر أكبر من المساواة بين الدول، وحماية الطبيعة. تستعيد المؤرخة أور روزنبويم (Or Rosenboim) هذا المشروع في مقالها «رؤية باربرا وارد»، وتطرح من خلاله سؤالًا لا يزال بلا جواب: كيف يمكن للبشر أن يؤسسوا نظامًا يراعي وحدتهم الكوكبية من دون أن يتحول التعاون الدولي إلى شكل جديد من الوصاية؟

نُشر مقال Barbara Ward’s Vision  في مجلة Aeon  بتاريخ 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026. ولا تقدّم روزنبويم وارد بوصفها ناشطة بيئية مبكرة فحسب، بل مفكرة سياسية حاولت الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة العالمية والمسؤولية عن الطبيعة ضمن تصور واحد لـ«المجتمع الكوكبي».

من الدولة القومية إلى «سفينة الأرض»

انطلقت وارد من ملاحظة بسيطة وعميقة: المشكلات الكبرى التي تهدد البشر لا تتوقف عند حدود الدول. فالأسواق والموارد والتلوث والفقر والأسلحة النووية مترابطة، بينما ما تزال المؤسسات السياسية تستند إلى سيادات قومية منفصلة، تنظر كل منها إلى العالم من زاوية مصلحتها الخاصة.

وجدت وارد في صور الأرض القادمة من الفضاء وسيلة جديدة لإدراك هذا الترابط. فالأرض ليست مجموعة دول متجاورة بقدر ما هي بيئة واحدة محدودة الموارد، تشبه مركبة فضائية يحمل ركابها معهم كل ما يحتاجون إليه للبقاء. وليس لأي جماعة داخل هذه المركبة أن تستهلك مواردها أو تلوث هواءها من دون أن تمس حياة الجماعات الأخرى.

لكن وحدة المصير المادي لا تخلق تلقائيًا وحدة أخلاقية أو سياسية. وقد لخّصت وارد هذه المشكلة بقولها إن الوحدة المادية للبشر سبقت وحدتهم الأخلاقية. أصبح الضرر ينتقل عالميًا، فيما بقي التضامن محليًا، وأصبحت الاقتصادات مترابطة، فيما ظلت المسؤولية محصورة داخل الحدود الوطنية.

لذلك رأت أن الدولة، رغم أهميتها، لم تعد الإطار الكافي للتعامل مع المساواة الاقتصادية والأمن البيئي. فالسيادة التي تمنح الدولة حق اتخاذ قراراتها باستقلال يمكن أن تمنع في الوقت نفسه اتخاذ القرارات الجماعية اللازمة لحماية الكوكب.

الفقر ليس مشكلة محلية

لم تفصل وارد أزمة البيئة عن تاريخ الاستعمار. فقد رأت أن فقر الدول الخارجة من السيطرة الاستعمارية لم يكن دليلًا على عجزها الداخلي، بل نتيجة لبنية اقتصادية أنشأتها الإمبراطوريات لخدمة حاجاتها. صُممت اقتصادات كثيرة لتصدير المواد الخام، لا لبناء صناعة محلية أو خدمات عامة قادرة على تحقيق تنمية مستقلة.

ومن ثم لا تستطيع الدول الغنية، في رأيها، أن تنظر إلى فقر المستعمرات السابقة بوصفه شأناً بعيدًا عنها. فقد تراكم جزء معتبر من ثروة الغرب من الموارد والعمل والأسواق التي وفّرها العالم المستعمَر. ولهذا تصبح المساعدة الاقتصادية وإعادة توزيع الموارد مسؤولية أخلاقية مرتبطة بتاريخ إنتاج الثروة، لا مجرد إحسان تقدمه الدول الغنية متى شاءت.

اقترحت وارد تحويل جزء من الدخل القومي للدول الغنية إلى تمويل التنمية في الدول الأفقر، ونقل المعرفة والتكنولوجيا إليها، وتعديل قواعد التجارة بما يساعدها على بناء اقتصادات قادرة على الاستمرار. وكانت ترى أن تقليص الفجوة العالمية ليس واجبًا أخلاقيًا فقط، بل مصلحة مشتركة أيضًا، لأن الفقر الشديد يولد الاضطراب والصراع والهجرة وعدم الاستقرار.

بهذا المعنى، لم تكن العدالة عندها مجرد توزيع للموارد داخل الدولة، كما في معظم نظريات العدالة السياسية، بل توزيع للفرص والأعباء بين الدول والشعوب.

هل ينبغي وقف النمو لإنقاذ الطبيعة؟

ظهر التحدي الأصعب أمام وارد في سبعينيات القرن العشرين. ففي الوقت الذي كانت الدول الخارجة من الاستعمار تطالب بالنمو كي توفر التعليم والصحة والعمل، بدأت تقارير علمية غربية تحذر من أن استمرار النمو الاقتصادي سيستنزف موارد الأرض ويدمر البيئة.

بدت المسألة كأنها تضع هدفين متعارضين: إما السماح للدول الفقيرة بالنمو على حساب الطبيعة، وإما حماية البيئة بتجميد تفاوت اقتصادي قائم أصلًا. ولو قبلت الدول النامية الخيار الثاني، لكان مطلوبًا منها أن تتخلى عن حقها في التنمية بعدما حققت الدول الصناعية ثروتها من خلال قرون من الاستغلال والتلوث.

رفضت وارد هذه الثنائية. فالعدالة لا تسمح بحرمان الفقراء من التنمية، وحماية الأرض لا تسمح بتكرار النموذج الصناعي الغربي في كل مكان. لذلك دعت إلى نمط من التنمية يرفع مستوى المعيشة من دون أن يدمر الشروط الطبيعية للحياة؛ وهو تصور مبكر لما أصبح يسمى لاحقًا «التنمية المستدامة».

لكن تفاؤلها يثير سؤالًا لا يحسمه المقال: هل يمكن فعلًا التوفيق بين نمو اقتصادي مستمر وكوكب محدود؟ قد تساعد التقنيات النظيفة وإعادة التوزيع وتقليل الهدر، لكن بعض أنماط الإنتاج والاستهلاك لا يمكن تعميمها على سكان العالم من دون تجاوز قدرة الطبيعة على التجدد.

ربما لا تكمن المشكلة في افتقار النمو إلى التخطيط وحده، بل في الاعتقاد بأن ازدياد الإنتاج والاستهلاك يمكن أن يستمر بلا نهاية.

المعضلة، إذن، ليست نقص المعرفة وحده، بل توزيع القوة. ولا تصبح العدالة الكوكبية ممكنة بمجرد إقناع البشر بأنهم يعيشون على كوكب واحد؛ بل تحتاج إلى قواعد تمنع الأقوى من نقل كلفة ازدهاره إلى الأضعف.

العلماء لا يحكمون

من الجوانب المهمة في فكر وارد تمييزها بين المعرفة العلمية والسلطة السياسية. فالأزمات البيئية تحتاج إلى العلماء لقياس التلوث وتقدير المخاطر وفهم الأنظمة الطبيعية، لكن امتلاك المعرفة المتخصصة لا يمنح الخبير حق تحديد الغايات العامة أو فرض القرارات على المواطنين.

كانت وظيفة الخبراء، في تصورها، تقديم المعرفة التي تجعل القرار السياسي أكثر استنارة، لا الحلول محل المجتمع في اتخاذه. فالقول إن درجة الحرارة ترتفع استنتاج علمي، أما تحديد من يتحمل كلفة خفض الانبعاثات، ومن يحق له الاستمرار في التنمية، وأي تضحيات تعد عادلة، فهي أسئلة سياسية وأخلاقية.

تكمن قيمة هذا التمييز في أنه يتجنب خطأين متعاكسين: إنكار العلم باسم السيادة أو المصلحة الوطنية، وتحويل العلم إلى سلطة تكنوقراطية تتخذ قرارات توزيعية وسياسية من دون مساءلة ديمقراطية.

المفارقة الاستعمارية

مع ذلك، لم تتحرر رؤية وارد المبكرة من تراتبية العالم الذي انتقدته. فقد أدانت استعمار الغرب للشعوب الأخرى، لكنها بقيت مقتنعة بأن الغرب يمتلك المعرفة والمؤسسات والقيم التي تؤهله لقيادة الانتقال إلى نظام عالمي أكثر عدلًا.

كما جعلت في مرحلة مبكرة من المسيحية الغربية أساسًا أخلاقيًا للمجتمع الكوكبي، وكأن القيم العالمية لا يمكن أن تتأسس إلا داخل تجربة أوروبية بعينها. وظهرت الدول المستقلة حديثًا في بعض كتاباتها بوصفها متلقية للمعرفة والتمويل والتوجيه، أكثر منها شريكة تملك تصوراتها الخاصة للتنمية والعدالة.

هذا هو الاعتراض الجوهري على مشروعها: هل يستطيع الغرب إصلاح الظلم الذي صنعه من دون أن يمنح نفسه مجددًا موقع المعلم والوصي؟

ليس كافيًا أن تعترف الدول الغنية بمسؤوليتها التاريخية إذا كانت ستحتفظ لنفسها بحق تعريف التنمية، وتحديد شروط التمويل، واختيار التقنيات، وفرض الأولويات البيئية. فقد تتحول المساعدة عندئذ إلى امتداد ناعم للعلاقة الاستعمارية: موارد مقابل نفوذ، وتنمية مقابل طاعة، وحماية للبيئة يدفع ثمنها من لم يتسببوا في تدميرها.

تشير روزنبويم إلى أن وارد عدّلت موقفها في كتاباتها المتأخرة. فقد تراجعت أهمية الأساس المسيحي في تصورها، وأصبحت أكثر اهتمامًا بحق المجتمعات الخارجة من الاستعمار في اختيار مساراتها الاقتصادية، وربطت العدالة البيئية بتقرير المصير. لكن التناقض لم يختف تمامًا، لأنه يسكن فكرة الحوكمة العالمية ذاتها: كيف يمكن إنشاء سلطة قادرة على حماية المصالح المشتركة من دون أن تصبح أداة للقوى التي تملك المال والعلم والنفوذ؟

المؤسسات أم الوعي؟

رأت وارد في الأمم المتحدة نواة محتملة لحكومة عالمية، لكنها أدركت أن المؤسسات الدولية لا تستطيع تنفيذ ما تقرره ما لم تمنحها الدول سلطة حقيقية. والمشكلة أن الدول لا تريد عادة التضحية بمصالحها القريبة من أجل منفعة عالمية بعيدة، خصوصًا عندما تختلف في توزيع التكاليف والمكاسب.

لهذا انتقلت وارد تدريجيًا من التعويل على هندسة المؤسسات إلى محاولة تغيير الوعي العام. فالبشر لن يقبلوا مؤسسات كوكبية فاعلة ما لم تصبح الأرض نفسها موضوعًا للولاء السياسي والأخلاقي، إلى جانب الوطن والدولة.

غير أن التعويل على الوعي لا يكفي بدوره. فقد يدرك الناس خطر التغير المناخي، لكن شركات ودولًا تملك مصلحة مباشرة في استمرار استخراج الوقود الأحفوري. وقد يتفق الجميع نظريًا على حماية الطبيعة، ثم يختلفون على من يخفض استهلاكه أولًا ومن يمول التحول ومن يعوّض المجتمعات المتضررة.

المعضلة، إذن، ليست نقص المعرفة وحده، بل توزيع القوة. ولا تصبح العدالة الكوكبية ممكنة بمجرد إقناع البشر بأنهم يعيشون على كوكب واحد؛ بل تحتاج إلى قواعد تمنع الأقوى من نقل كلفة ازدهاره إلى الأضعف.

أي عدالة كوكبية نريد؟

تظل أهمية وارد في رفضها الفصل بين البيئة والاقتصاد والتاريخ الاستعماري. فلا يمكن مطالبة الدول الفقيرة بتحمل الالتزامات نفسها التي تتحملها الدول التي صنعت الجزء الأكبر من المشكلة، ولا يمكن للدول الغنية الادعاء أن حماية البيئة مسؤولية إنسانية مشتركة ثم إبقاء الثروة والتكنولوجيا والقرار السياسي محتكرة لديها.

لكن مشروع العدالة الكوكبية لن يكون عادلًا إذا صُمم في العواصم الغربية ثم قُدّم إلى بقية العالم بوصفه حلًا علميًا محايدًا. يجب أن تشارك المجتمعات المتضررة في تعريف التنمية التي تريدها، وفي تحديد الخسائر التي لن تقبلها، وفي إدارة التمويل والتكنولوجيا.

لقد أدركت وارد مبكرًا أن الأرض أصبحت مجتمع مصير قبل أن تصبح مجتمعًا سياسيًا. أما السؤال الذي تتركه لنا فهو: هل نستطيع بناء الوحدة السياسية اللازمة لإنقاذها من دون أن نعيد داخلها إنتاج الإمبراطورية؟

الأكثر شيوعاً

الزمن في الفلسفة الإسلامية: من الأزل إلى القيامة
الصوفي الفيلسوف ابن مسرّة الاندلسي: شخصية غامضة، علم غامض وأثر لم يندثر تماما
النقد الأدبي والفلسفة: علاقة جدلية عبر العصور

مقالات ذات صلة

born-USA-png
كيف تتحول أغنية احتجاج إلى صوت للسلطة؟
T.S
ت. س. إليوت: كيف نعيش حين يفقد العالم معناه؟
Thomas Hardy
توماس هاردي: كيف نحتفظ بالأمل في عالم لا يَعِدُنا بالعدل؟

عن المنصة

تواصل معنا

منصة رقمية تُعنى بتقريب الفلسفة وتبسيط أفكارها لكل قارئ.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة أيسر ©  2026

اشترك في النشرة الإخبارية 
لتصلك أحدث الاخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني