لماذا لا تستطيع التعريفات إغلاق معنى الكلمات؟

أيسر –– نلجأ إلى التعريف عندما نختلف على معنى كلمة، كأن التعريف الدقيق يستطيع إنهاء النزاع مرة واحدة. لكنه يُكتب استنادًا إلى استعمالات نعرفها، بينما تستمر الحياة في تقديم حالات لم نتوقعها. فهل يكون التعريف ناقصًا بسبب تقصير واضعه، أم أن بعض المفاهيم لا يقبل الإغلاق النهائي أصلًا؟ تبحث ألنيكا فيسّر (Alnica Visser) هذه المسألة […]

“تحتاج الجامعة إلى الخلاف كي تؤدي رسالتها”

أيسر –– قد يبدو الحرم الجامعي الهادئ علامة نجاح: محاضرات منتظمة، وقاعات بلا احتجاج، وإدارة لا تصل خلافاتها إلى العلن. لكن الهدوء يحتمل أكثر من تفسير. فقد يعكس ثقة تسمح بحل النزاعات، وقد يعكس خوفًا يمنع التعبير عنها. كيف نميز جامعة تعرف إدارة اختلافها من جامعة لا تسمح له بالظهور؟ يناقش ماريان سيكيراك (Marián Sekerák) […]

هل نحمي البيئة بتغيير حياتنا أم بتغيير منظومة التشريع؟

أيسر –– يغلق المواطن الصنبور أثناء تنظيف أسنانه، ويفصل النفايات، ويقلل استخدام البلاستيك، ويشتري ما يستطيع من المنتجات المحلية. تبدو هذه الأفعال مسؤولة وضرورية. لكن ماذا يحدث عندما يتحول الخطاب السياسي من محاسبة المصانع وشركات الطاقة والحكومات إلى مطالبة الفرد بأن يصبح أكثر وعيًا ومرونة؟ هل تتوسع الديمقراطية حين تدخل خياراتنا اليومية، أم يجري توزيع […]

لماذا لا تستطيع التعريفات إغلاق معنى الكلمات؟

أيسر –– نلجأ إلى التعريف عندما نختلف على معنى كلمة، كأن التعريف الدقيق يستطيع إنهاء النزاع مرة واحدة. لكنه يُكتب استنادًا إلى استعمالات نعرفها، بينما تستمر الحياة في تقديم حالات لم نتوقعها. فهل يكون التعريف ناقصًا بسبب تقصير واضعه، أم أن بعض المفاهيم لا يقبل الإغلاق النهائي أصلًا؟ تبحث ألنيكا فيسّر (Alnica Visser) هذه المسألة […]

“تحتاج الجامعة إلى الخلاف كي تؤدي رسالتها”

أيسر –– قد يبدو الحرم الجامعي الهادئ علامة نجاح: محاضرات منتظمة، وقاعات بلا احتجاج، وإدارة لا تصل خلافاتها إلى العلن. لكن الهدوء يحتمل أكثر من تفسير. فقد يعكس ثقة تسمح بحل النزاعات، وقد يعكس خوفًا يمنع التعبير عنها. كيف نميز جامعة تعرف إدارة اختلافها من جامعة لا تسمح له بالظهور؟ يناقش ماريان سيكيراك (Marián Sekerák) […]

هل نحمي البيئة بتغيير حياتنا أم بتغيير منظومة التشريع؟

أيسر –– يغلق المواطن الصنبور أثناء تنظيف أسنانه، ويفصل النفايات، ويقلل استخدام البلاستيك، ويشتري ما يستطيع من المنتجات المحلية. تبدو هذه الأفعال مسؤولة وضرورية. لكن ماذا يحدث عندما يتحول الخطاب السياسي من محاسبة المصانع وشركات الطاقة والحكومات إلى مطالبة الفرد بأن يصبح أكثر وعيًا ومرونة؟ هل تتوسع الديمقراطية حين تدخل خياراتنا اليومية، أم يجري توزيع […]

هل نخاف الموت أم نخاف أن نشهد غيابنا؟

أيسر — حين نتخيل العالم بعد موتنا، نرتكب أحيانًا مفارقة يصعب الانتباه إليها: نغيب عن المشهد، ثم نبقى فيه بوصفنا مشاهدين. نرى الآخرين يواصلون حياتهم، والبيوت تفتح نوافذها، والأصدقاء يجتمعون من دوننا، ونشعر بأننا حُرمنا من كل ذلك. لكن من الذي يشعر بهذا الحرمان في الصورة التي رسمناها؟ إذا كان تخيلنا قائمًا على انتهاء وجودنا، فكيف أبقينا لأنفسنا عينًا تراقب وقلبًا يتألم؟

ينطلق الفيلسوف ماركوس فيلاشيك (Marcus Willaschek) من هذه المنطقة الملتبسة في ورقته «الموت والقيمة الوجودية: دفاعًا عن أبيقور». ويقدّم دفاعًا جزئيًا عن أبيقور (Epicurus)، يسمح بالاعتراف بأن الموت قد يكون خسارة جسيمة، مع الاعتراض على بعض الطرق التي نتخيل بها تلك الخسارة. فربما نضيف إلى ما يحرمنا الموت منه معاناةً لن يكون هناك أحد ليعيشها.

نُشرت الورقة بعنوان Death and Existential Value: In Defence of Epicurus  [الموت والقيمة الوجودية: دفاعًا عن أبيقور] إلكترونيًا في 14 آذار 2022، ثم ضمن عدد آذار 2023 من مجلة Philosophy and Phenomenological Research  [الفلسفة والبحث الظاهراتي]. وتقوم حجتها على التمييز بين قيمة الحياة كما نحياها من الداخل، والضرر الناجم عن انتهائها. يساعد هذا التمييز، بحسب فيلاشيك، على فهم ما يصيب بعض تصوراتنا للموت من مبالغة، دون إنكار أهمية الحياة أو فداحة فقدها.

أيّ موت نتحدث عنه؟

يفصل فيلاشيك بين الاحتضار، والحدث الذي تنتهي عنده الحياة، وانعدام وجود الشخص بعد انتهائها. ويخصّ بالبحث المعنى الأخير. لذلك لا تتناول حجته مباشرة ألم المرض، أو الخوف أثناء الخطر، أو معاناة الساعات الأخيرة؛ فهذه تجارب تقع لشخص ما زال حيًا، ويمكن أن تكون مؤلمة وقاسية فعلًا.

ويترتب على ذلك تحديد آخر لا غنى عنه لفهم الورقة: يفترض الباحث أن الموت نهاية وجود الشخص، ويضع خارج بحثه التصورات الدينية التي تعدّه انتقالًا إلى وجود آخر. إنه يختبر النتائج الفلسفية المترتبة على هذا الافتراض، ولا يقدّم برهانًا على نفي الحياة الآخرة. ومن يرى الموت انتقالًا إلى حياة تستمر فيها الذات سيحتاج إلى مناقشة أخرى، لأن شرط المسألة يكون قد تغيّر.

كذلك يركّز البحث على ما يعنيه موت الإنسان بالنسبة إليه من منظور مصلحته الشخصية المباشرة. وتبقى خارج هذا التركيز أضرار موته للآخرين، وإن كان فيلاشيك يعترف بها صراحةً. فقد يترك الموت طفلًا بلا رعاية، أو شريكًا مفجوعًا، أو مجتمعًا محرومًا من إنسان يحتاج إليه. ولا تزول هذه الخسائر بمجرد القول إن الميت لا يشعر بها.

تضيق المسألة إذن حتى تصبح سؤالًا محددًا: إذا انتهى وجودي تمامًا، فما المعنى الذي يمكن أن يكون به هذا الانتهاء سيئًا لي أنا؟

هل ينبغي أن نشعر بالضرر كي يكون حقيقيًا؟

تربط الحجة الأبيقورية التي يعرضها فيلاشيك الخير والشر باللذة والألم، أو بما يؤدي إليهما. وبما أن انعدام الوجود بعد الموت لا يتضمن إحساسًا بالألم، ولا يترك شخصًا يمكن أن يتألم، فإن الموت، وفق هذه الحجة، لا يكون شرًا لمن يموت.

لكن الاعتراض على هذا الاستدلال قوي: قد يصيبنا ضرر لا نعرفه ولا نشعر به. يستحضر النقاش الفلسفي الذي تعرضه الورقة أمثلة من قبيل خيانة الأصدقاء لشخص وراء ظهره. فهل تصبح الخيانة غير مؤذية لمجرد أنه لم يكتشفها؟

ويمكننا توضيح الاعتراض بمثال من عندنا: لنتخيل باحثًا سُرقت نتائج عمله، ونُسبت إلى آخر، ثم مات قبل اكتشاف السرقة. يصعب القول إنه لم يخسر شيئًا لأن السرقة لم تسبب له حزنًا واعيًا. فقد اعتُدي على حقه، وحُرم من اعتراف كان يستحقه، حتى لو لم تتحول الخسارة إلى خبرة مؤلمة في حياته.

تسمح هذه الفكرة بالدفاع عن تصور للموت بوصفه حرمانًا. فقد يكون الموت سيئًا لأنه يسلب الإنسان سنوات كان يستطيع أن يعيشها، وعلاقات كان يمكن أن يواصلها، وأعمالًا كان يستطيع إنجازها. ولا يحتاج هذا التفسير إلى افتراض أن الميت يعاني بعد موته.

يقبل فيلاشيك إمكان هذه الأضرار. ومن هنا يأتي وصف دفاعه عن أبيقور بأنه جزئي؛ فهو يتخلى عن النفي المطلق لضرر الموت، ويحاول إنقاذ فكرة أضيق: حين ينهي الموت وجود الشخص، فإنه ينهي أيضًا المنظور الذي يمكن أن تُعاش منه بعض صور الضرر.

فالإنسان الذي يفقد شيئًا ثم يستمر حيًا قد يخسر الشيء ويعاني خسارته معًا. أما الموت، وفق الإطار الذي يعتمده الباحث، فلا يضيف إلى الحرمان تجربة لاحقة من الحزن عليه. ولذلك لا يصح نقل صورة الخسارة التي نعرفها في الحياة، بكل عناصرها، إلى انتهاء الحياة نفسها.

ما الذي يجعل حياتي مهمة لي؟

يسمّي فيلاشيك نوعًا من القيم «القيمة الوجودية». ويقصد بها ما يمكن للشخص أن ينسبه إلى نفسه بصدق، بصيغة المتكلم وفي الحاضر: هذا جيد لي الآن، أو هذا سيئ لي الآن.

لا تحصر هذه الصياغة القيمة في المتعة والألم. فقد تكون الصداقة خيرًا لي الآن بسبب الثقة والوفاء اللذين تتضمنهما، حتى عندما لا أشعر بمتعة خاصة، وحتى عندما أكون منشغلًا عنها. ولا يلزم أن أظل واعيًا بقيمتها؛ يكفي أن يكون في وسعي، إذا التفتُّ إليها، إدراكها بوصفها خيرًا يخص حياتي الحاضرة.

ويستعين فيلاشيك بأفكار مارتن هايدغر (Martin Heidegger) وجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) عن الطابع الشخصي والزمني للحياة. فنحن نعيش من موضع «أنا»، ونختبر ما يحدث في حاضر، حتى حين نتذكر الماضي أو نتوقع المستقبل. يستعير الباحث هذه العناصر لبناء حجته، دون أن يتبنى فلسفة هايدغر أو سارتر كاملة.

ولنأخذ، للتوضيح من جانبنا، شخصًا يعود بعد غياب إلى بيت العائلة. يعرف أن البيت قائم سواء حضر أم لم يحضر، وأن الآخرين يستطيعون الاجتماع فيه بدونه. لكن جلوسه بينهم يحمل قيمة لا يعوّضها علمه بأن أشخاصًا آخرين يجلسون هناك. ما يعنيه هو مشاركته في الحياة التي تجري.

تساعدنا هذه التجربة على فهم شدة التعلق بالوجود. فنحن نريد أن نستمر في رؤية من نحب، وأن ننجز أعمالنا، وأن نكون حاضرين حين تقع الأشياء التي تهمنا. وقد يفرح الإنسان باستمرار العالم بعده، لكنه يظل راغبًا في أن يكون له نصيب من ذلك الاستمرار.

وهنا يظهر التحول الحاسم في حجة فيلاشيك: إذا كانت خيرات كثيرة تكتسب أهميتها لنا من إمكان عيشها من الداخل، فإن الموت الذي ينهي وجودنا يسلبنا تلك الخيرات، لكنه لا يتركنا نعيش سلبها بالطريقة نفسها التي نعيش بها خسائرنا ونحن أحياء.

حين نضع أنفسنا خارج الحياة ونبقى نراقبها

يعرض فيلاشيك صورًا مختلفة للخطأ الذي قد يجعل الموت يبدو أسوأ مما هو عليه. وتتصل إحداها بإبقاء الذات حاضرة في خيال انعدامها. نتخيل أننا نرى ما فاتنا، ونعرف أننا لا نستطيع العودة، ونحمل هذا العجز زمنًا لا ينتهي.

يمكن تصوير الالتباس، بمثال نقترحه، في شخص يتخيل الموت كوقوف أبدي خلف نافذة مضاءة: يرى أسرته في الداخل، ويسمع أصواتها، ويعجز عن الدخول. يحمل المشهد ألمًا مفهومًا، لكنه يصور وجودًا محرومًا من المشاركة. أما انعدام الوجود، بحسب افتراض الورقة، فلا يتضمن شخصًا يقف خلف النافذة.

وتنشأ صورة أخرى من افتراض أن خسارة الخير تحمل بالضرورة قيمة سالبة تماثل قيمته الموجبة. يشرح فيلاشيك أن هذا الانتقال يبدو معقولًا في حالات كثيرة، لكنه يحتاج إلى تدقيق عند تطبيقه على الموت.

فالإنسان الذي يفقد شيئًا ثم يستمر حيًا قد يخسر الشيء ويعاني خسارته معًا. أما الموت، وفق الإطار الذي يعتمده الباحث، فلا يضيف إلى الحرمان تجربة لاحقة من الحزن عليه. ولذلك لا يصح نقل صورة الخسارة التي نعرفها في الحياة، بكل عناصرها، إلى انتهاء الحياة نفسها.

ويشير فيلاشيك أيضًا إلى التباس في عبارة «ضرر لي». فقد نعني بها ضررًا يمكن نسبته إلى شخص من الخارج، كخيانة لم يعلم بها، وقد نعني معاناة يستطيع أن يعيشها ويعرفها من منظوره الخاص. ويجادل بأن الخلط بين هذين المعنيين قد يمنح الموت ثقلًا إضافيًا في تصوراتنا.

لكن الباحث يتحفظ في تفسيره النفسي؛ فهو لا يزعم أنه أثبت أن جميع الناس يقعون في هذه الأخطاء. تأتي حجته هنا مشروطة: بقدر ما نعتمد هذه الصور الملتبسة، يمكن لتصحيحها أن يغيّر تقديرنا لضرر الموت.

هل يخفّف هذا التمييز خسارة المستقبل؟

قد يعترض القارئ بأن الفارق أصبح واضحًا، دون أن يشعر بأن الموت أقل سوءًا. فهو يعرف أنه لن يشهد غيابه، ويظل حزينًا لأن مستقبلًا كان ممكنًا لن يتحقق.

ويستحق هذا الاعتراض أن نمنحه وزنه. لنتخيل، في مثال من عندنا، كاتبًا يعمل على كتاب يعني له الكثير. يعرف أن موته سيمنعه من إكماله، ولا يتصور نفسه واقفًا بعد الموت أمام المخطوط، متحسرًا على صفحاته. مع ذلك، يعدّ انتهاء حياته قبل إنجازه خسارة حقيقية. فهل تغيّر الحجة مقدار الخسارة، أم اكتفت بتنقية صورتها؟

لا ينكر فيلاشيك أن إحباط المشروعات والرغبات قد يجعل الموت ضررًا جديًا. وتصبح المسافة بينه وبين معترضه متعلقة بما إذا كان هذا الأخير يضيف، صراحةً أو ضمنًا، شيئًا آخر إلى الحرمان: شعور الذات بحرمانها بعد أن يكون وجودها قد انتهى.

ومن جانبنا، يمكن القول إن فائدة الحجة قد تختلف من شخص إلى آخر. فقد تساعد من يطارده تخيل عزلة أبدية واعية، بينما تكون أقل مواساة لمن يحزن على سنوات لن يعيشها وهو يدرك تمامًا أنه لن يشعر بفقدها بعد الموت. ولا تكفي سلامة تمييز مفهومي لضمان أثر نفسي واحد عند الجميع.

ويظل هناك سؤال نقدي أوسع: هل ينبغي أن تكون الأضرار القابلة للعيش من الداخل أثقل دائمًا من الأضرار التي لا نعيها؟ يمنح فيلاشيك المنظور الشخصي والحاضر أهمية خاصة في تفسير تعلقنا بالحياة. لكن القارئ يستطيع قبول هذه الأهمية مع الاستمرار في إعطاء وزن كبير لمشروعاته وحقوقه وعلاقاته، حتى عندما تتجاوز ما يستطيع أن يختبره بنفسه.

الخوف يحدث ونحن أحياء

يواجه فيلاشيك اعتراضًا آخر: إذا كان الموت لا يؤلمنا بعد وقوعه، فإن توقعه قد يؤلمنا الآن. نعرف أننا سنموت، وقد يطغى هذا الوعي على أيامنا ويغيّر علاقتنا بكل ما نحب.

يقرّ الباحث بحقيقة هذه المعاناة، ويميّز بين انعدام الوجود وبين أفكارنا ومشاعرنا نحوه. فقد يكون الحزن على مستقبل لن يتحقق مبررًا، وقد يكون القلق على من نتركهم وراءنا بالغ الشدة. لكن هذه المشاعر تقع في حياة الشخص الذي يتوقع الموت.

ويوضح حجته بحالة شخص يعتقد خطأً أنه سيموت قريبًا: يمكن أن يعيش الخوف والحزن نفسيهما اللذين يعيشهُما شخص يواجه موتًا وشيكًا بالفعل. ويكشف ذلك أن التجربة المؤلمة الحاضرة ترتبط باعتقاده وتوقعه، ولا تتطلب وقوع موته فعلًا.

لا يعني هذا، كما يؤكد فيلاشيك، أن كل تلك المشاعر غير مبررة أو أن التخلص منها هو الموقف الصحيح دائمًا. فالاعتراف بخسارة حقيقية قد يقتضي الحزن. ويظل البحث في المشاعر المناسبة تجاه الموت أوسع من المسألة التي يحاول حسمها.

ومن المفيد، امتدادًا من جانبنا، أن نفرّق بين المخاوف التي نجمعها تحت كلمة واحدة. فقد يخاف الإنسان الألم، أو فقدان الاستقلال، أو ترك أبنائه، أو توقف مشروعه، أو انعدام وجوده. تتداخل هذه المخاوف، لكنها تستدعي استجابات مختلفة. يحتاج بعضها إلى رعاية عملية، وبعضها إلى حوار وطمأنينة، وبعضها إلى فحص للصورة التي يمنحها الخيال للمجهول.

هل نستطيع أن نحب الحياة دون أن نضيف إلى نهايتها؟

لا يطلب دفاع فيلاشيك الجزئي أن نتوقف عن تقدير المستقبل، ولا يبرهن على أن الموت خسارة هينة. وتكمن مساهمته في مساءلة ما نضيفه إلى هذه الخسارة حين نحاول تخيلها: هل نتحدث عن حياة تنقطع، أم نرسم أيضًا ذاتًا تستمر إلى الأبد في الإحساس بانقطاعها؟

يمكن أن نستخلص من هذا السؤال موقفًا يظل لنا نحن، لا نتيجة تفرضها الورقة: يحق للإنسان أن يرغب في مزيد من الوقت، وأن يحزن على إمكانات لن تتحقق، وأن يعمل لحماية حياته وحياة الآخرين. ولا يحتاج تقديره للحياة إلى أن يضاعف فقدها بصورة متخيلة لمعاناة لا تنتهي.

قد يفكر شخص في أنه لن يرى أحفاده يكبرون. تحمل هذه الفكرة خسارة واضحة: علاقة كان يمكن أن تمتد وتجارب كان يمكن أن تحدث. أما أن يتخيل نفسه، بعد انتهاء وجوده، ينتظرهم ويتألم لأنه لا يستطيع الوصول إليهم، فإنه يكون قد منح الغياب حياة أخرى داخل خياله.

تسمح قراءة فيلاشيك بالوقوف عند هذه الإضافة وفحصها. فحب الحياة مفهوم بما تحتويه من أشخاص وأعمال وتفاصيل نرغب في مواصلتها. وحين ننظر إلى نهايتها، يمكننا أن نقرّ بفداحة ما ينقطع، مع الانتباه إلى أن تصور انقطاع التجربة يختلف عن تصور تجربة لا تنتهي من الفقد.

المصدر: ماركوس فيلاشيك، Death and Existential Value: In Defence of Epicurus [الموت والقيمة الوجودية: دفاعًا عن أبيقور]، مجلة Philosophy and Phenomenological Research  [الفلسفة والبحث الظاهراتي]، المجلد 106، العدد 2، آذار 2023، ص 475–492؛ نُشرت إلكترونيًا في 14 آذار 2022. النص الكامل .

الأكثر شيوعاً

الزمن في الفلسفة الإسلامية: من الأزل إلى القيامة
الصوفي الفيلسوف ابن مسرّة الاندلسي: شخصية غامضة، علم غامض وأثر لم يندثر تماما
النقد الأدبي والفلسفة: علاقة جدلية عبر العصور

مقالات ذات صلة

friendship
هل نكون عادلين حين ننحاز لمن نحب؟
criticism
لماذا نخون قناعاتنا ونحن نعرف الصواب؟
epictesus
هل تبدأ الحرية بالاعتراف بما لا نستطيع تغييره؟

عن المنصة

تواصل معنا

منصة رقمية تُعنى بتقريب الفلسفة وتبسيط أفكارها لكل قارئ.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة أيسر ©  2026

اشترك في النشرة الإخبارية 
لتصلك أحدث الاخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني