أيسر — يسهل أن نتخيّل الحرية حياةً لا يعترض فيها أحد رغباتنا: نقول ما نشاء، ونختار ما نحب، ونرفض كل قيد يزعجنا. لكن ماذا لو كانت رغباتنا نفسها تقودنا إلى ما نندم عليه؟ وماذا لو منحنا شخصًا سلطة واسعة لأنه يعدنا بتحقيق إرادتنا، ثم أصبح هو من يحدّد لنا ما نريد؟ يضعنا أرسطو أمام سؤال يتجاوز غياب المنع: ما الذي يجعل الإنسان قادرًا على توجيه حياته، بدلًا من الانقياد إلى شهواته أو إلى من يحسن استثارتها؟
تتناول الباحثة لورين بانغل (Lorraine Pangle) هذه المسألة في دراسة عن الحرية عند أرسطو كما ينبغي فهمها. وتنطلق من مفارقة في كتاباته السياسية: إنه يعدّ الحرية من المبادئ الأساسية للديمقراطية، لكنه ينتقد الطريقة التي يفهمها بها أنصارها. وتبحث بانغل في إمكان قراءة هذا النقد باعتباره محاولة لتنمية التطلع إلى الحرية وتصحيح مساره.
في دراستها Aristotle on Liberty Rightly Understood، المنشورة في مجلة Political Theory عام ٢٠٢٥، تجمع بانغل ملاحظات أرسطو المتفرقة لتقدّم تفسيرًا موحّدًا: الحرية قدرة على توجيه الذات بعقل، في الحياة الشخصية وفي الشأن المشترك. وهي تحتاج إلى شروط خارجية تحمي الإنسان من التسلّط، وإلى تربية وقدرات تمكّنه من استخدام استقلاله استخدامًا يستحق أن يُختار.
من رفض الإذلال إلى حكم النفس
تبدأ الحرية، في العالم الذي يناقشه أرسطو، من التمييز بين الإنسان الحر والعبد. لكن بانغل توضّح أن التمييز يتصل أيضًا بصورة الإنسان عن نفسه: هل يرى أنه صاحب حياة وغايات، أم أداة لتنفيذ أغراض غيره؟ ومن هنا يرتبط حب الحرية بالكرامة، وبالاستعداد لمقاومة الإخضاع والإهانة.
لهذا لا يقتصر نقد أرسطو للجمهور على اتهامه بملاحقة اللذة. ففي الرغبة الشعبية في الحرية عنصر يقدّره: رفض أن يعيش الإنسان صغيرًا في نظر نفسه، أو تابعًا لإرادة متعالية عليه. وتبرز قيمة هذا العنصر في تحليله للطغيان؛ فالطاغية يخشى أصحاب الاعتداد بالنفس، ويضيق بالروابط التي تمنح الناس ثقة بعضهم ببعض، ويرتاح إلى التملّق.
غير أن مقاومة الإذلال لا تكفي وحدها لتوجيه الحياة. فقد يرفض الإنسان الخضوع لشخص آخر، ثم يخضع لغضبه أو لطموحه أو لحاجته المستمرة إلى الإعجاب. وقد يدافع عن كرامته بشجاعة، لكنه يسيء تقدير ما يحفظها. تحتاج الروح المحبة للحرية، وفق قراءة بانغل، إلى عقل يوجّهها وتربية تهذّب اندفاعها، حتى تتحول إلى قدرة مستقرة على حكم النفس.
بل إن الطموح الأخلاقي نفسه قد ينقلب إلى مبرّر للهيمنة. فقد يقتنع شخص بأنه الأقدر على تحقيق الخير، فيستنتج أن عليه الاحتفاظ بالسلطة أطول وقت ممكن. هنا تصبح الثقة بالفضيلة طريقًا إلى إلغاء استقلال من يُفترض أن تخدمهم.
حين تريد الأكثرية أن تفعل ما تشاء
يظهر الالتباس نفسه في السياسة. فمن الطبيعي أن يطالب المواطنون بالمشاركة في القرارات التي تحكم حياتهم. لكن الاعتقاد بأن قرار الأكثرية صحيح لمجرد أنه قرار الأكثرية يفتح مشكلة أخرى: ما الذي يمنعها من استخدام قوتها على نحو تعسفي؟
يميّز أرسطو بين صور للديمقراطية تعمل تحت سلطة القانون، وصورة متطرفة تصبح فيها إرادة الجمهور المتغيرة أعلى من القواعد المستقرة. وتشدّد بانغل على أهمية هذا التمييز، لأن اختزال موقفه في عداء شامل للحكم الشعبي يحجب موضع حجته: إمكان أن يتحول التطلع إلى حكم الذات إلى رغبة جماعية في الإفلات من كل قيد.
عند هذه النقطة يدخل المتملّق السياسي. فهو يكتسب نفوذه بتأكيد أن الجمهور يستحق كل ما يريد، وأن الاعتراض على رغباته اعتداء على مكانته. وقد يبدو الناس أصحاب القرار، بينما يصبح صاحب الخطاب الأكثر مهارة أقدر على توجيه تصوراتهم. وهكذا يمكن أن تترافق الثقة المطلقة بالإرادة الشعبية مع تبعية فعلية لمن يصوغها ويستثيرها.
ويمكن أن نستخلص من هذا التحليل سؤالًا لحاضرنا: هل يزيد الخطاب السياسي قدرة المواطنين على الحكم، أم يكتفي بتغذية شعورهم بأنهم محقّون؟ لا يتيح هذا السؤال مساواة المجتمعات الحديثة بالمدينة اليونانية، لكنه يساعد على فحص علاقة الإقناع بالاستقلال.
الامتحان الذي تخفق فيه النخب أيضًا
لا تقصر بانغل سوء فهم الحرية على الجمهور. فالنخب الثرية والطموحة قد ترتكب خطأ مماثلًا عندما تفهم الاستقلال بوصفه حقًا دائمًا في القيادة. ومن اعتاد أن تُلبّى رغباته قد يجد صعوبة في قبول المساءلة، أو في الاعتراف بأن الآخرين شركاء له.
بل إن الطموح الأخلاقي نفسه قد ينقلب إلى مبرّر للهيمنة. فقد يقتنع شخص بأنه الأقدر على تحقيق الخير، فيستنتج أن عليه الاحتفاظ بالسلطة أطول وقت ممكن. هنا تصبح الثقة بالفضيلة طريقًا إلى إلغاء استقلال من يُفترض أن تخدمهم.
تستخرج بانغل من أرسطو تمييزًا حاسمًا بين إخضاع الآخرين وحكم أناس أحرار. فالحكم السياسي في أفضل صوره يتطلب العمل مع أشخاص يملكون رأيًا وكرامة، وقبول أن يتولى المرء المسؤولية ثم يتركها لغيره. وتبلغ كفاءة الحاكم قيمة أعلى عندما تساعد على إعداد من يستطيعون مواصلة العمل بعده.
بهذا المعنى، يدخل قبول المساءلة والتناوب في صميم الحرية السياسية. فمن لا يحتمل أن يُحكَم وفق القواعد التي يطالب الآخرين باحترامها يكشف قصورًا في فهمه للشراكة، مهما اتسعت قدرته على إصدار الأوامر.
هل نعرف ماذا نفعل بوقتنا؟
تصل الدراسة إلى جانب أقل حضورًا في نقاشات الحرية المعاصرة: كيف نستخدم الحياة التي نطالب بأن تكون لنا؟
يولي أرسطو أهمية للتعليم الذي يهيّئ الإنسان للاستمتاع بأنشطة تستحق الممارسة لذاتها. فالمعرفة والفنون والتأمل تمنح الحياة قيمة لا تتوقف على الربح أو المنفعة المباشرة. وإذا أصبح كل وقتنا وسيلة إلى شيء آخر، ظل السؤال معلّقًا: متى نعيش الغاية التي نعمل من أجلها؟
تقرأ بانغل اهتمامه بالموسيقى والشعر والتربية بوصفه جزءًا من تصوره للإنسان الحر. فالقدرة على الاختيار تتأثر بما تعلمنا أن نحبه ونعجب به منذ الصغر. والعقل لا يبدأ عمله في فراغ؛ إنه يتعامل مع ميول وعادات سبقته، ويمكن للتربية أن تساعد على تنسيقها بدل أن تتركها تتنازع صاحبها.
ومن هذه الزاوية يمكن مساءلة حاضر يكثر فيه عرض الخيارات ويصعب فيه الاحتفاظ بالانتباه. قد يستطيع المرء الانتقال بين مئات المواد، لكنه يعجز عن متابعة فكرة اختارها بنفسه. هذا امتداد معاصر محتمل للسؤال الأرسطي: إلى أي حد نملك اتجاه حياتنا وسط ما يستدعي رغباتنا باستمرار؟
من يحدّد الحياة الجديرة بأن تُعاش؟
مع ذلك، تثير هذه القراءة اعتراضًا جديًا. فإذا ارتبطت الحرية بحسن توجيه الحياة، فمن يملك تعريف الحياة الحسنة؟ وكيف نمنع سلطة سياسية أو تربوية من فرض اختياراتها على الناس بدعوى أنها تجعلهم أكثر حرية؟
تزداد ضرورة الاعتراض عند تذكّر حدود عالم أرسطو. فالمساواة الواسعة التي تبرزها بانغل داخل مدينته المثلى تخصّ المواطنين الذكور، وتجاورها مواقف من العبودية والعمل لا يمكن اعتمادها أساسًا للمساواة الإنسانية اليوم. لذلك تحتاج الاستفادة من تحليله إلى نقد واضح لاستبعاداته، وإلى حماية حق الناس في الاختلاف بشأن غايات حياتهم.
لكن الاعتراض على الوصاية لا يلغي السؤال الذي تفتحه الدراسة. فالتعليم الذي يوسّع قدرة الإنسان على التفكير، والمؤسسات التي تتيح مساءلة الحاكم، والوقت الذي يسمح بحياة تتجاوز الاستنزاف اليومي، كلها تؤثر في مقدار الاستقلال الممكن. ويصبح الامتحان هو تمكين الأشخاص من الحكم بأنفسهم، مع إبقاء حقهم في مراجعة ما يُقدّم إليهم باسم الخير.
عندها يكتسب سؤال العنوان عمقًا آخر. قد نفعل ما نريد، ومع ذلك نعجز عن تفسير أسباب اختيارنا أو عن مقاومة رغبة تضرّنا. وقد نقبل قيدًا مشتركًا لأنه يحمي شراكة نريد استمرارها. تفتح قراءة بانغل لأرسطو بابًا لفهم الحرية بوصفها قدرة تحتاج إلى الرعاية والممارسة: أن نختار بوعي، وأن نراجع أنفسنا، وأن نعيش مع آخرين نقرّ لهم بالاستقلال الذي نطالب به لأنفسنا.
الدراسة الأصلية: لورين بانغل، «الحرية عند أرسطو كما ينبغي فهمها»، ٢٠٢٥. Lorraine Pangle, 2025

