أيسر –– لم يعد الذكاء الاصطناعي في الجامعة مجرد احتمال مستقبلي أو تجربة تجري في مختبرات الحوسبة. لقد صار حاضرًا في كتابة الواجبات، وتلخيص المراجع، وصناعة العروض، وتصحيح اللغة، وتوليد الأسئلة، بل وفي بعض أعمال التقييم والإدارة الأكاديمية. لكن كتاب Artificial Intelligence in Higher Education: A Phenomenological View، الصادر عام 2026 عن Open Book Publishers بتحرير سنسر يرالان، يرفض التعامل مع هذه التحولات بوصفها مسألة تقنية بسيطة. فالسؤال الذي يطرحه ليس: كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى الجامعة؟ بل: ما الجامعة أصلًا، وما الذي ينبغي أن يبقى إنسانيًا فيها حين تصبح المعرفة المكتوبة سهلة الإنتاج؟
هذا الفرق هو جوهر الكتاب. فهو لا يقدم دليلًا تقنيًا لتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، ولا يحاول أن يمنح الجامعات وصفة جاهزة للتعامل مع ChatGPT ونظائره. بدلًا من ذلك، يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة تدخل في بنية المؤسسة الجامعية نفسها: في السلطة، وفي التقييم، وفي علاقة الأستاذ بالطالب، وفي معنى الخبرة، وفيما نعدّه معرفة حقيقية.
ينطلق الكتاب من ملاحظة بسيطة لكنها مقلقة: الجامعة الحديثة كانت قد بدأت، قبل الذكاء الاصطناعي بزمن، بالتحول إلى مؤسسة تقيس كل شيء. عدد الأبحاث، ونسب التخرج، والترتيب العالمي، ومؤشرات الأداء، وفرص التوظيف، ورضا الطلبة. وفي هذه البيئة، يأتي الذكاء الاصطناعي لا بوصفه انقلابًا كاملًا، بل بوصفه مُسرِّعًا لاتجاه قائم: جعل التعليم أكثر سرعة، وأكثر قابلية للقياس، وأكثر خضوعًا للمنصات والمؤشرات.
أهم ما ينجح فيه الكتاب أنه يعيد السؤال إلى مكانه الصحيح. فالمشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على الكتابة. البشر أنفسهم كتبوا دائمًا بمساعدة أدوات: القلم، والآلة الكاتبة، والمكتبة، ومحركات البحث، والمدقق اللغوي. الجديد هو أن الأداة صارت قادرة على إنتاج ما يشبه التفكير، بلغة واثقة وسريعة ومقنعة. وهذا يجعل الخطر الحقيقي ليس فقدان الوظائف فقط، ولا تراجع قيمة الشهادات فقط، بل فقدان الإحساس بما يعنيه أن نفكر ببطء، وأن نخطئ، وأن نراجع أنفسنا.
هنا يستعيد الكتاب فكرة ألمانية قديمة هي «بيلدونغ» أو التكوين الإنساني. فالتعليم الجامعي، في التصور الإنساني الكلاسيكي، لم يكن مجرد اكتساب مهارات قابلة للبيع في سوق العمل، بل بناء للشخصية والعقل والقدرة على الحكم. الطالب لا يذهب إلى الجامعة فقط كي يعرف جوابًا، بل كي يتعلم كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يزن الأدلة، وكيف يواجه التعقيد من دون أن يهرب إلى إجابة جاهزة.
ومن هذه الزاوية يصبح الذكاء الاصطناعي مشكلة تربوية وفلسفية، لا مشكلة نزاهة أكاديمية فقط. صحيح أن الجامعة تخشى من أن يكتب الطالب مقالته بالآلة، لكن الخطر الأعمق ليس الغش بالمعنى التقليدي. الخطر هو أن يتحول التعليم إلى إنتاج نصوص مقنعة بدل بناء عقول قادرة على التفكير. فقد يقدم الذكاء الاصطناعي إجابة سلسة ومتماسكة، لكنها قد تعفي الطالب من عملية التعثر الضرورية: القراءة البطيئة، وإعادة الصياغة، ومراجعة الفكرة، ومواجهة الغموض، واكتشاف أن ما بدا واضحًا في البداية ليس واضحًا فعلًا.
في أحد المقاطع اللافتة، يمنح الكتاب صوتًا تخييليًا لطالب يقول إنه استخدم أداة ذكاء اصطناعي لمساعدته في إعداد مقال فلسفي. كانت النتيجة جيدة، وربما بدت أفضل من قدرته المعتادة على الكتابة، حتى إن أستاذه أثنى عليها. لكن الطالب بقي أمام سؤال مربك: هل كان ذلك المقال ذكيًا حقًا، أم أنه بدا ذكيًا فقط؟ وهل المديح موجَّه إليه أم إلى الآلة؟ هذا المشهد البسيط يلخص أزمة كاملة: الفرق بين أن تتعلم شيئًا وأن تقدّم شيئًا يبدو وكأنك تعلمته.
لا يدعو الكتاب إلى منع الذكاء الاصطناعي أو التعامل معه كعدو. بل إن بعض فصوله تقترح تصورًا أكثر إيجابية: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون «مشاركًا في الصنع» لا بديلًا من العقل. يستطيع أن يساعد الطالب في تنظيم الأفكار، وفي مقارنة الحجج، وفي كشف الثغرات اللغوية، وفي إعادة بناء المسودة. لكنه ينبغي أن يبقى أداة تفتح مجالًا للتفكير، لا آلة تختصر التفكير نفسه.
وهذا يفرض تغييرًا في طبيعة التقييم. فإذا كانت المقالة المنزلية قابلة للإنتاج في دقائق، فلا يكفي أن يسأل الأستاذ: هل كتب الطالب هذا النص بنفسه؟ ربما يصبح السؤال الأهم: كيف وصل الطالب إليه؟ ما المراجع التي قرأها؟ ما الاعتراضات التي واجهها؟ كيف عدّل موقفه؟ ولماذا اختار هذه الحجة دون غيرها؟ التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج، وفقًا لمنطق الكتاب، إلى الاهتمام بالعملية بقدر الاهتمام بالنتيجة.
كما يلفت الكتاب إلى أن الجامعة ليست وحدها في هذا المشهد. فشركات التقنية والمنصات الكبرى أصبحت جزءًا من البنية التعليمية: أنظمة إدارة التعلم، وبرامج كشف الانتحال، وأدوات المراقبة في الامتحانات، وتحليلات الأداء، والمساعدات الرقمية. وهذه ليست أدوات محايدة؛ لأنها تحمل معها تصورات معينة عن الطالب: بوصفه بيانات، أو مستخدمًا، أو مخاطرة يجب مراقبتها، أو إنتاجًا ينبغي تحسينه.
ولهذا تظهر قضية السيادة الجامعية. عندما تعتمد الجامعة على منصات خارجية لتعليمها وتقييمها وإدارة بياناتها، فمن الذي يقرر فعلًا ما هو التعلم الجيد؟ هل هو الأستاذ؟ أم الإدارة؟ أم الشركة التي صممت النظام؟ أم الخوارزمية التي تقترح على الطالب ماذا يدرس ومتى يقلق ومتى يعد «معرضًا للفشل»؟
الكتاب شديد الحساسية لهذه المسائل، خصوصًا حين يتحدث عن الجامعات الواقعة خارج المراكز التقنية الكبرى. فالذكاء الاصطناعي قد يزيد الفجوة بين المؤسسات التي تملك بنية تحتية وموارد وخبرات، وتلك التي تصبح مجرد مستهلكة لمنصات مصممة في أماكن أخرى. لذلك لا يطرح الذكاء الاصطناعي باعتباره قصة تقدم واحدة تشمل الجميع بالطريقة نفسها؛ بل باعتباره مجالًا جديدًا قد يعيد إنتاج التفاوت بين الدول والجامعات والطلبة.
ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من قدر من التفاؤل الحذر. فهو يرى أن الجامعة ما زالت تملك فرصة لتحديد علاقتها بالذكاء الاصطناعي، شريطة ألا تتصرف برد فعل متأخر. المطلوب ليس أن تكتب المؤسسات بيانات عامة عن «الاستخدام الأخلاقي»، بل أن تبني ثقافة مشتركة تشمل الطلبة والأساتذة والإداريين: ما الذي نسمح به؟ وما الذي نرفضه؟ متى تكون الاستعانة بالآلة دعمًا للتعلم، ومتى تتحول إلى تفويض كامل للعقل؟
أهم ما ينجح فيه الكتاب أنه يعيد السؤال إلى مكانه الصحيح. فالمشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على الكتابة. البشر أنفسهم كتبوا دائمًا بمساعدة أدوات: القلم، والآلة الكاتبة، والمكتبة، ومحركات البحث، والمدقق اللغوي. الجديد هو أن الأداة صارت قادرة على إنتاج ما يشبه التفكير، بلغة واثقة وسريعة ومقنعة. وهذا يجعل الخطر الحقيقي ليس فقدان الوظائف فقط، ولا تراجع قيمة الشهادات فقط، بل فقدان الإحساس بما يعنيه أن نفكر ببطء، وأن نخطئ، وأن نراجع أنفسنا.
إذا صار الذكاء الاصطناعي يكتب ويصحح، فربما لا يبقى من التعليم مجرد امتحان أو شهادة أو نص مكتوب. ما يبقى هو القدرة على الحكم: أن نعرف متى نثق، ومتى نشك، ومتى نطلب من الآلة أن تساعدنا، ومتى نصر على أن نكمل الطريق وحدنا. فالجامعة، في أفضل صورها، ليست مصنعًا للإجابات. إنها مكان يتعلم فيه الإنسان كيف لا يخدع نفسه حين تأتيه الإجابة جاهزة.

